EN
  • تاريخ النشر: 02 أغسطس, 2011

حقائق جديدة تمثل ذروة الانقلاب الدرامي للسلسلة هاري بوتر.. نهاية الملحمة وبداية الأسطورة

السينما هي صانعة الملاحم الفنية الكبرى في عصرنا.. هذه حقيقة لا يمكن إنكارها.. صحيح أن بعض الأفلام تعتمد بشكل أساسي على نصوص أدبية مثل "ثلاثية مملكة الخواتم" أو سباعية "هاري بوترإلا أنها نجحت

السينما هي صانعة الملاحم الفنية الكبرى في عصرنا.. هذه حقيقة لا يمكن إنكارها.. صحيح أن بعض الأفلام تعتمد بشكل أساسي على نصوص أدبية مثل "ثلاثية مملكة الخواتم" أو سباعية "هاري بوترإلا أنها نجحت، من خلال لغة الصورة، في تجسيد الحس الملحمي والشكل البصري الفخيم لتلك النصوص.. ووفرت عليها عشرات السنوات من الترجمة للغات أخرى.. فإذا كان الكتاب يوزع ملايين النسخ، فإن الفيلم يشاهده مليارات البشر في كل الأرض.

في الجزء الثامن من "هاري بوترالذي هو الجزء الثاني من الرواية السابعة الأخيرة، تنتهي الملحمة التي شاهدها الملايين طوال العقد الأول من القرن، لكن الأسطورة الحقيقة تبدأ، فلقد تمكن صناع السلسلة من أن يصيغوا حالة سينمائية ستبقى في وجدان عشاق السينما لأجيال، وسيكون من الصعب إقصائها عن المركز الأول؛ من حيث عدد الأجزاء وقوة البناء الدرامي من البداية للنهاية، والمحافظة على فريق الممثلين نفسه، وخاصة في الأدوار الرئيسية منذ أن كانوا أطفالاً حتى صاروا شبابًا ملء السمع والبصر.

الفيلمان الأخيران من السلسلة يكادان يكونان الأصعب في الاقتباس للسينما، لأنهم في الأصل جزء واحد، وكان على كاتب السيناريو أن يحافظ على الشكل الدرامي المعروف للسلسلة.. أي وجود لغز محير وحوادث غريبة تقع لبوتر في صراعه مع "فولدمورت".

وفي نهاية كل جزء، نكتشف سر اللغز في لحظة تنوير وهو أسلوب معروف في البناء الدرامي التشويقي.. والأدب الإنجليزي، الذي تنتمي إليه السلسلة، مشهور بتفوقه في هذا اللون القصصي منذ أن كتب آثر كونان دويل سلسلة شيرلوك هولمز.

في الجزء السابق كانت المطاردة على أشدها بين هاري ورفيقيه هرميوني ورون، وبين جماعة الظلام من آكلي الموت، في محاولة للعثور على الهوروكوكس أو الأشياء السحرية التي خبأ فيها فولدمورت روحه؛ كي يبعث من الموت، وفي هذا الجزء ومع تواصل البحث وتصاعد المطاردات تتكشف لهاري ولنا حقائق جديدة تمثل ذروة الانقلاب الدرامي للسلسلة كلها، فعندما يعود هاري لمدرسة السحر هورجوتس، ويطرد سنايب ويطارده إلى مقر فولدمورت يشاهد سنايب وأمير الظلام يقتله بثعبانه الشرير، للحصول على العصا السحرية الأقوى في العالم، وهي إحدى مقدسات الموت الثلاث مع الحجر الذي يعيد الموتى من الأحباب والعباءة الشهيرة التي تُخفي من يرتديها.

وقبل موت سنايب، يطلب من هاري أن يلتقط دموعه ويذهب بها إلى منخل الأفكار، كي يرى ذكريات سنايب.. وفي أطول فلاش باك بالسلسلة نكتشف علاقة سنايب الحقيقية بهاري، فعلى الرغم من كل القسوة والعنف اللذين كان يعامله بهما، فإن أصل الحكاية يكمن في حب سنايب الكبير لليلي أم هاري! ذلك الحب الذي ترعرع منذ الصغر في نفسه، وتحول إلى حنق دفين عندما أخذها منه جيمس والد هاري.

وفي الفلاش باك ذاته نكتشف أن دمبلدور كان يحمي هاري لا خوفًا عليه، لكن لأن جزءًا من روح فولدمورت موجودة فيه منذ أن حاول أمير الظلام قتله وهو صغير، ومن ثم ارتد جزء من روحه داخل هاري وأصبح هاري على صلة روحية به، وأخيرًا نكتشف أن قتل سنايب لدمبلدور في نهاية الجزء السادس جاء بطلب من دمبلدور نفسه، لأنه كان يعاني مرضًا مميتًا.

هذا الانقلاب الدرامي يمثل ذروة الحبكة في الجزء الجديد، رغم أنه يأتي في منتصف الأحداث وليس في آخرها كما تعودنا، لكنه يشحن المتفرج بطاقة انفعالية تجعله يعيد استرجاع عشرات المواقف التي حدثت بين هاري وسنايب طوال سنوات، بل يغير من دفة المشاعر لدى المتلقي بشكل عكسي، ليصبح سنايب شهيدًا في نظره، ويتحول دمبلدور إلى نصف طيب ونصف ماكر ولئيم.

مثلما شهدت هورجوتس الصراع في كل الأجزاء وتحولت إلى ساحة الحرب بين هاري وفولدمورت، وعلى الرغم من غيابها الجزئي في الفيلم السابق، فإنها تعود بقوة في هذا الجزء لتصبح أرض المعركة الأخيرة التي يواجه فيها طلاب المدرسة ومعلموهم قوى الظلام، بل ويسقط منهم شهداء وقتلى، وهذا الجزء يحتوي أكبر عدد من القتلى في الجانبين، فبعد مقتل سيفروس في الجزء الخامس وهو الأب الروحي لهاري ومقتل دمبلدور في الجزء السادسيُقتل ريموس وزوجته أثناء المعركة، ويقتل فريد توأم جورج الشهير أصحاب المقالب خفيفة الظل.. وفقدان الأصدقاء والأحباب هو سمة الذرى التراجيدية في الملاحم الكبرى.. فهناك دائمًا شهداء يسقطون في المعركة الأخيرة ضد الشر، لكن موتهم دائمًا يشحذ البطل بالهمة والرغبة في الانتصار انتقامًا لأرواحهم. وموت عدد من أصدقاء هاري في هذا الجزء، ثم استدعائه لهم عن طريق حجر بعث الأحباب، دلالاته الدرامية أكبر من كونه عنصرًا خياليًا.. لكنه التعامل مع فكرة أن الموت مجرد غياب جسدي، لكن ذكرى الأحباب وعبق أرواحهم يظل في القلب.. فهم أحياء طالما تذكرناهم بالخير والمحبة.

ويحتوي هذا الجزء عددًا كبيرًا من القبلات بين العشاق الصغار بشكل علني، بعد أن كانت همسات الحب وقبلاته مختلسة طوال الأجزاء السابقة، ولأول مرة يقبل رون هرميوني بعد الانتصار في المعركة، ولا تأتي القبلة تتويجًا للانتصار فقط، لكن بعد أن تطورت شخصية رون في هذا الجزء، وأصبح قوي الشكيمة قيادي النزعة؛ حتى أن هرمويني نفسها تصبح بجانبه مجرد أنثى منقادة وليست صاحبة الشخصية القوية التي كانت تسيطر على مجرى العلاقة في السابق.

أضعف ما في الفيلم هي نهايته التي يطلق عليها دراميًا "انتكاسة ما بعد الذروة" أو (الأنتي كلايمكسفبعد انتصار هاري على فولدمورت وإفنائه، ثم كسره للعصا السحرية الأقوى في العالم.. دلالة على أن السحر الحقيقي في إرادة النفوس وفي التشبث بذكرى الأحباب الطيبة وعلمهم الذي يتركونه لنا.

وبعد وقوف الأصدقاء الثلاثة أمام المدرسة المحطمة عقب المعركة، ونظرة الأمل في المستقبل تشع من عيونهم، نفاجأ أن السيناريو يقفز بنا 19 عامًا للأمام في مشهد يذكرنا بالأفلام المصرية؛ حيث "مكياج" مضحك للشخصيات.. هاري وزوجته جيني.. وهرميوني وزوجها رون.. وقد أنجبا عددًا من الأطفال، وجميعهم مجتمعين في الرصيف السحري لتوصيل أطفالهم إلى قطار هورجوتس السريع.. تمامًا كما بدأ الجزء الأول، ونرى هاري يطمئن ابنه الصغير من مسألة اختيار القبعة السحرية للقسم الذي سينتمي إليه، وكلها تفاصيل زائدة عن الحاجة الدرامية، ومعطلة لفورة الشعور الانفعالي لدى المتلقي بنهاية المعركة، وخصوصًا مع العناصر الاجتماعية الخاملة (الزواج وإنجاب الأطفال) التي ليس لها علاقة بجوهر أو شكل الملحمة نفسها، وفكرة تجسيد الأمل في المستقبل بوجود جيل جديد تعتبر مستهلكة وغير مؤثرة. على عكس قوة المضمون الشعوري الذي حمله إلينا الانتصار في المعركة الأخيرة، ونظرة الأصدقاء الثلاثة إلينا عبر "الكاميرا" وكأنهم يشركوننا في انتصارهم.