EN
  • تاريخ النشر: 21 يونيو, 2009

تكرار للأفلام المصرية الأخيرة مناحي.. إضحاك سعودي باللمبي وهنيدي!

فيلم جيد لكن مشكلته الاستناد إلى الإيفيهات أكثر من المواقف الكوميدية

فيلم جيد لكن مشكلته الاستناد إلى الإيفيهات أكثر من المواقف الكوميدية

صناعة فيلم سينمائي سعودي إنجاز كبير، وتطور فني يستحق التحية، حتى لو كانت التجربة لا تزال في طور النضوج أو جاءت متأثرة بعديد من التجارب الكوميدية المصرية التي قُدمت خلال السنوات العشر الأخيرة. هذا ما يمكن قوله بالنسبة لتجربة فيلم "مناحي" الذي تضمن توليفات تجارية تحمل البصمة الكوميدية المصرية، إلا أنها تبدو أكثر نضجا وحماسة من أي تجربة سابقة أخرى.

صناعة فيلم سينمائي سعودي إنجاز كبير، وتطور فني يستحق التحية، حتى لو كانت التجربة لا تزال في طور النضوج أو جاءت متأثرة بعديد من التجارب الكوميدية المصرية التي قُدمت خلال السنوات العشر الأخيرة. هذا ما يمكن قوله بالنسبة لتجربة فيلم "مناحي" الذي تضمن توليفات تجارية تحمل البصمة الكوميدية المصرية، إلا أنها تبدو أكثر نضجا وحماسة من أي تجربة سابقة أخرى.

قصة الفيلم باختصار هي أن مناحي شاب سعودي من قبيلة تقيم في ربع صحراوي يتورط في معاملات مالية مع شخص خرب الذمة هو أبوناصر، مما يجعله يوقع إيصال أمانة بمليون ريال، لكن ذكاء مناحي وفلسفته الغريبة في التعامل مع الأمور تجعله ينجح في مضاربات البورصة حتى يصبح مليونيرا، ويحطم منافسه أبوناصر ثم يكتشف في النهاية أن عمليات المضاربة من أجل الربح ليست هي الاستثمار الحقيقي، وأنه من الممكن أن تنهار وتضيع صاحبها، فيرجع إلى قبيلته ويقرر استثمار أمواله في المهنة التي يجيدها، وهي تجارة الغنم والإبل.

يشعرك مناحي بأنه خليط من الشخصيات التي قدمها الكوميديانان المصريان محمد هنيدي ومحمد سعد طوال سنوات.. ففي الفصل الأول من الفيلم تسيطر عليه جينات اللمبي في كثير من المشاهد، لكنه اللمبي سعودي أقل فجاجة من اللمبي المصري وأكثر ثقافة منه، فهو ابن بلد/قبيلة سعودية.. إيفيهاته اللفظية قائمة على تلقيح الكلام والسخرية من كل شيء، ومن كل شخص حتى من نفسه، وهو يبدو تائها منوما، لكنه في الحقيقة "صاحي" كما اسمه، وعلاقته بأمه تذكرنا بعلاقة محمد سعد وعبلة كامل، لكن أم مناحي "مني واصف" تعاني من داء طريف هو الزهايمر.. صحيح أنه داء كوميدي نمطي استخدم من قبل في أفلام عدة، لكن توظيفه هنا جاء موفقا إلى حد كبير، برغم بعض المواقف المفتعلة من أجل استغلال فكرة نسيان الأم المستمر لكل شيء إلا ابنها.

حاول السيناريو أن يرسم البيئة القبلية حول مناحي بشكل كوميدي، ولكن البيئة جاءت أقرب للكاريكاتورية، فليس معنى أن مناحي شخصية كاريكاتورية أن تكون بيئته مثله.. بالعكس فإن جزءا من قوة الكوميديا هو أن يكون الشخص ساخرا في بيئة جادة، لكن الفيلم كله نحا نحو الكاريكاتورية، وبالتالي جاءت بيئة قبيلة مناحي تشبهه، وإن كان أنضج شخصياتها هو سعد البحتري الذي يتحدث بالفصحى ويذكرنا بعبد الفتاح القصري في الأفلام الأبيض وأسود.

مع تقدم الدراما تبدأ شخصية هنيدي في "عندليب الدقي" بالظهور، وأقصد شخصية فواز -الأخ الخليجي- خاصة مع سفر مناحي لدبي، إذ تسيطر على أسلوب وأداء وطريقة إلقاء الإفيهات لفايز المالكي أو مناحي، خاصة مع تكرار لازمة "دعابة" التي يلحقها مناحي بكثير من الإفهيات التي يلقيها، وتسبب له مشكلات ثم يخلط المالكي بين كوميديا الإيفيه والكوميديا الجسدية التي تعتمد على حركات مشي متعثرة أو اصطدام بأشياء أو الوقوع بشكل طريف.

هذا الأسلوب هو الأسلوب الكوميدي الذي يسيطر على أداء محمد سعد، وكنت أتصور أن يخفف منه صناع الفيلم؛ لأنه مستهلك ويبدو أقرب للاستظراف في حين أن شخصية مناحي بكل قدرتها على السخرية وفلسفة الأمور بشكل عبثي لم تكن لتحتاج هذه الإيفهيات الجسدية المستهلكة، خاصة أن فلسفة مناحي العبثية تلك هي التي ستقوده إلى تحقيق مكاسب ضخمة في البورصة من جراء المضاربة على الأسهم التي يتوقع لها الارتفاع.

مشكلة الفيلم أنه اعتمد على الإيفيهات بشكل كامل، وهو العيب نفسه الذي تعاني منه الأفلام المصرية فلم نجد مواقف كوميدية ذات قيمة، ربما باستثناء نزول مناحي القاهرة عن طريق الخطأ، ومشاركته في مؤتمر لأنفلونزا الطيور على أنه بروفيسور.. صحيح أنه موقف مفتعل وغير منطقي، لكنه على الأقل كان حدثا في حين أن اعتماد السيناريو على الإيفيه اللفظي أوقعه في كثير من الأحيان في إيفهيات تعتمد على الشتيمة فمناحي -برغم حبنا له- إلا أنه قليل الأدب: يشتم كثيرا، ويسب كل من حوله تقريبا.

وقد أسرف السيناريو في الإيفيهات المعتمدة على ذلك، خاصة مع مشاهد الشخصية الهندية كومار التي بالطبع لا يمكن صناعة فيلم خليجي دون أن يكون هناك شخصية هندية، فهي شخصية موجودة في المجتمعات الخليجية تناسب ذائقة الجمهور الخليجي المتأثر بها وبثقافتها؛ هل تذكرون دواد حسين في عندليب الدقي؟!

وبرغم ذلك جاء الحوار في مشاهد أخرى محكما فيما يخص البيئة السعودية والخليجية، وظهرت تلك البيئة في كثير من الإيفهيات التي يلقيها مناحي، وهو أمر يُحسب لكاتب السيناريو مازن طه، فمن السليم أن نشعر بالبيئة التي تدور بها الأحداث من خلال اللغة.. تركيبات اللغة والإيفهيات اللفظية والصور اللغوية التي تختلف من لغة لأخرى.

كما الحارة المصرية الأصيلة التي يخرج منها البطل ابن البلد.. يخرج مناحي من قبيلة سعودية تبدو أصالتها من خلال قيم التعاون والأخوة بين أفرادها، خاصة في المشاهد التي يجمع فيها أفراد القبيلة المال من أجل سداد مناحي لدينه، وهذه القيم التي ركز عليها السيناريو لم تمنعه من انتقاد عملية التحول الأخيرة التي شابت مجتمع القبيلة، وهي الرسالة المباشرة التي ينقلها الفيلم، عندما يفتتح سوقٌ بدوي للأوراق المالية في القبيلة، ويترك أهلها الرعي، ويخوضون في مضاربات فارغة تشعر مناحي بالحزن على قبيلته، وتغير حالها.

هل السرّ في المخرج المصري؟ لا يمكن أن نلوم صناع الفيلم على تأثرهم بالأفلام المصرية، فمخرج الفيلم مصري (أيمن مكرموهو هنا أنضج فنيّا من تجربته الباهتة السابقة شيكامارا، ونضجه يظهر من خلال تعامله الهادئ مع أحداث الفيلم، فالقصة والحبكة والشخصيات لا تحتمل أي "فذلكات" إخراجية، وتكوين الصورة جاء بسيطا، وترك مساحة واسعة لمناحي أن يلقي إفيهاته اللفظية والجسدية، وقد شعرنا بتأثر المخرج نفسه بأفلام من سبقوه من مخرجي الكوميديا، خاصة سعيد حامد ووائل إحسان في أفلام "همام في أمستردامو"اللمبيو"عندليب الدقي".

وبما أن الفيلم كوميدي، فمن الطبيعي أن يكون التأثير الأكبر للسينما المصرية التي قطعت شوطا طويلا في هذا المجال، وبالتالي فكل ما أسلفناه عن المقارنة بين مناحي وبين الأفلام المصرية ليس انتقادا أو انتقاصا من التجربة، وإنما هو تقويم يعتمد على رؤية شاملة لصناعة السينما العربية، ورغبة في تشجيع أصحاب التجربة على تكرارها بشكل أكثر نضجا، وأقل اعتمادا على تجارب الغير.