EN
  • تاريخ النشر: 09 نوفمبر, 2009

فيلم كوميدي يسخر من التعلق بالمادة مسخرة.. هدف جزائري في مرمى السينما العربية

المسخرة الحقيقية ليست الزواج من ثري بل تغلغل المادة في النفوس

المسخرة الحقيقية ليست الزواج من ثري بل تغلغل المادة في النفوس

على الرغم من مرور عام كامل على بدء عرض الفيلم الجزائري "مسخرةواكتساحه عشرات الأفلام العربية سواء المصرية أو السورية أو الخليجية في غالبية المسابقات الدولية، إلا أنه لا يزال محط اهتمام عديد من السينمائيين، بعد أن صنع من واقع بلدة مجهولة في صحراء الجزائر ملهاة اجتماعية ذات قيمة، دون الحاجة إلى إسفاف أو ابتذال أو غناء هابط أو رقص سوقي، ولولا اللهجة الجزائرية التي تحول دون عرضه عربيا لأصبح فيلما يقبل عليه الجمهور، بدور العرض جميعا.

على الرغم من مرور عام كامل على بدء عرض الفيلم الجزائري "مسخرةواكتساحه عشرات الأفلام العربية سواء المصرية أو السورية أو الخليجية في غالبية المسابقات الدولية، إلا أنه لا يزال محط اهتمام عديد من السينمائيين، بعد أن صنع من واقع بلدة مجهولة في صحراء الجزائر ملهاة اجتماعية ذات قيمة، دون الحاجة إلى إسفاف أو ابتذال أو غناء هابط أو رقص سوقي، ولولا اللهجة الجزائرية التي تحول دون عرضه عربيا لأصبح فيلما يقبل عليه الجمهور، بدور العرض جميعا.

منذ سنوات كتب الناقد المصري سامي السلاموني مقالا عن فيلم "الطاحونة" الجزائري للمخرج أحمد راشدي، يستنكر فيه أن يحتاج فيلم عربي الهوية إلى ترجمة بلغة أجنبية لكي يفهمه الجمهور العربي.. وكان يقصد بذلك أزمة اللهجة التي طالما واجهتها سينما المغرب العربي مع الجمهور من بقية البلاد العربية.. ساعتها كتب الناقد الكبير أنه يجب بالأحرى أن تتم ترجمة الفيلم الجزائري باللغة العربية الفصحى؛ مثل الأفلام الأجنبية، بدلا من ترجمته للفرنسية؛ مثلما يحدث مع كل الأفلام الجزائرية والمغربية والتونسية!

وعلى رغم مرور عقود على بدء صناعة السينما في دول المغرب، إلا أن أزمة اللهجة الخاصة بها ظلت الحاجز بين تلك السينما والجمهور العربي العريض في مصر والشام والخليج.. بل ظلت أزمة اللهجة صمام الأمان بالنسبة لتجار السينما الرخيصة والتافهة -خاصة المصري منها- لأنها تمنع انتشار الأفلام الجزائرية والمغربية في السوق المصرية والخليجية!

هكذا ظلت سينما المغرب العربي تقدم أفلاما للمهرجانات العربية والدولية.. وتفوز بعشرات الجوائز.. وتصنع تراثا سينمائيا قيما على رغم قلته.. هذا كله دون أن يكون لها تواجد حقيقي في دور العرض بالأسواق السينمائية العربية والمصرية.

ومن هنا اعتبر البعض أن أزمة سينما المغرب العربي هي في الحقيقة أزمة لهجة.. وأن السينما المغربية والتونسية والجزائرية تملك كل مقومات السينما الجيدة، ويجتمع فيها عنصرا الفن والتجارة.. بدليل حجم الجوائز التي تحصل عليها من ناحية، وذلك الإقبال الذي يحدث على تلك الأفلام في العروض الدولية، بمجرد أن يتم تجاوز حاجز اللغة، من جهة أخرى.

استطاع هذا الفيلم -الذي لا تتجاوز مدته الساعة ونصف الساعة- أن يحقق نجاحا دوليا كبيرا منذ أول عرض له.. وعلى رغم أنه فيلم خفيف في ظاهره.. إلا أنه يحمل كل ملامح أفلام الكوميديا الاجتماعية السوداء، التي تجعل المتفرج يخرج بالقصة من حدود المواقف المضحكة والساخرة إلى نظرة اجتماعية متسعة الأفق.. لا تخص المجتمع الجزائري فقط، ولكن تخص أغلب المجتمعات العربية إن لم تمس المجتمعات البشرية بأكملها.. حيث نتابع من خلال الأحداث كيف أن غريزة المال يمكن أن تقلب حال البشر، وتعيد صياغة وضعهم الأجتماعي والإنساني بمجرد أن تنطلق شائعة بسيطة، لتجوب بلدة نائية من أدناها لأقصاها.

إن منير بطل الفيلم -وهو نفسه المخرج والمؤلف والمنتج لياس سالم- يعاني اجتماعيا مع أخته الصغرى ريم، المريضة بمرض طريف جدا ومأساوي جدا في الوقت نفسه.. وهو مرض النوم.. ذلك المرض الذي تسببه ذبابة التسي تسي المنتشرة في إفريقيا.. وفي مجتمع جاهل يشيع هذا المرض عن الفتاة الجميلة بالبلدة أن أحدا لا يمكن ان يتزوجها.. وبالتالي يعلن منير -في لحظة فوران مخمورة- أن أخته تقدم لخطبتها عريس ذو ثروة ومكانة اجتماعية مرموقة.. لكنه يستيقظ في اليوم التالي وقد نسي كل شيء، ويفاجأ أن البلدة لا حديث لها سوى هذا العريس الثري الذي سيتزوج ريم، على رغم مرضها.

في الوقت ذاته نتابع قصة الحب الشعبية بين ريم وخليفة -الشاب الصعلوك ضعيف البنية صاحب مشروع محل الفيديو وصديق منير- وبينما يحاول منير تدارك أمر شائعة العريس الثري بأن يصطحب أخته وزوجته إلى خارج البلدة، كأنهم ذاهبون لرؤية العريس ورفضه.. يُفاجأ بأن أخته -في رغبة منها لإثارة غيرة خليفة حبيبها السلبي- تقول عند عودتها إنها رأت العريس وأعجبت به ووافقت عليه!

وهكذا تتغير حياة منير والأسرة بأكملها.. إذ تنهال عليه عروض العمل والهدايا، ويصبح ذا مكانة مرموقة بالبلدة، بعد أن كان مجرد مواطن أقل من العادي بين سكانها.. ومن هنا يتحول عنوان الفيلم إلى مضمون فني عالي القيمة.. فالمسخرة الحقيقية ليست في شائعة الزواج من عريس ثري، ولكن في مدى تغلغل المادة في نفوس البشر وعقلياتهم.

يتهم البعض السينما الجزائرية، بل وسينما المغرب العربي عموما، بأنها فرنسية الهوى، وأن شغلها الشاغل أن تتوجه للمتفرج الفرنسي والأوروبي، وأنه لا يعنيها المتفرج العربي كثيرا.. وربما كانت هناك تيارات سينمائية في المغرب العربي تسعى لهذا التوجه بالفعل.. لكن هذا لا يعني أن التوجه العام لأفلام المغرب العربي توجه أوروبي بالأساس.. إذ استطاع لياس سالم إن يحقق المعادلة الكلاسيكية التي طالما تشدق بها كثيرون، ولم يحققها أحد إلا بشكل فردي، وهي معادلة تقديم واقع محلي يخص صُناعه؛ من أجل أن يتواصلوا من خلاله مع متفرج دولي سواء كان عربيا أو أجنبيا.

فمنذ اللقطات الأولى للفيلم يستغرقك واقع البلدة الجزائرية الفقيرة.. بل إن المرض الذي اختاره لياس لشخصية الفتاة ريم هو مرض إفريقي جدا.. كما استطاع الفيلم أن يقدم كثيرا من ملامح المجتمع الجزائري في البلدات النائية.. سواء على مستوى الملابس أو حفلات الزفاف.. أو على مستوى المناظر الطبيعية.. خاصة مناظر الجبال والسهول؛ إذ إن كثيرا من مشاهد الفيلم خارجية.

ولم يبالغ لياس في استخدام اللغة السينمائية إلا فيما يحتاجه.. ذلك أن إخراج الفيلم هو إخراج بسيط تكنيكيا بشكل عام، لكنه حرفي من ناحية توظيف عناصر الكادر السينمائي في تقديم الإفيهات البصرية واللغوية.. وتلك هي مهمة الإخراج في الفيلم الكوميدي.. أن يقدم لك الإفيه أو الموقف الكوميدية بأبسط وسيلة، ودون أي مبالغة بصرية.

من يتصور إذن أن الجزائريين لا يملكون حسا ساخرا أو روحا فكاهية عليهم أن يتابعوا أداء الممثلة ريم تعكوشت في دور زوجة منير، والممثل الشاب محمد بوشيب في دور خليفة؛ فالكوميديا، وخفة الظل، ليستا حكرا على شعب دون آخر.