EN
  • تاريخ النشر: 01 أكتوبر, 2011

لعبة الموت

قيس الزبيدي

الكاتب قيس الزبيدي

قصة فيلم الختم السابع للمخرح السويدي إنجمار بيرغمان

أتيحت لي أخيراً فرصة مشاهدة فيلم بيرغمان « الختم السابع/1957 »، الذي كنت أقرأ عنه كثيراً وأتساءل، كيف تسنى له أن يجد حلوله الصورية، بصرياً، لموضوعات الموت والشك والإيمان، وهي موضوعات فلسفية؟ انشغل الفلاسفة بموضوع الموت ونسج الإنسان حوله الخرافات والأساطير والطقوس الجنائزية، وانشغل بيرغمان بدوره في « الختم السابع » بظاهرة خوف الإنسان من الموت ليعبر عن تصوراته الدينية في نمط حكاية/أسطورة استعارية.
وكان قد فسر ابتعاده عن تناول مشكلات السويد المعاصرة بقوله: « لأننا في السويد مازلنا نعيش في وهم، إننا سعداء لأننا نملك كل شيء، لكننا في وسط هذه الحياة نحس بفراغ، منشؤه ليست طمأنينتنا المادية والاجتماعية، بل فقدان المعنى الروحي والإنساني لحضارتنا المادية ».
حكاية الفيلم حول فارس، عاد من تجارب الحرب الصليبية وهو يعانى الشقاء والموت، وانتشار الطاعون، وحينما يلتقي ملك الموت، يتحداه بلعبة شطرنج، ليؤجل موته، لا لينعم بالحياة، إنما ليتابع البحث عن معنى الوجود ومعنى العقاب الذي حل بالبشر، بعد أن تخلى الله عنهم، وتركهم يتخبطون في براثن الإثم والشر.
وفي رحلة بحثه الطويلة، يعاود الفارس لعبة الشطرنج مع الموت مرة تلو الأخرى، ليستمر في بحثه الدائم عن مصدر الخير، دون أن يجد سوى الشر، الذي لا يبحث عنه.
كان بيرغمان سعيداً بنجاح « الختم السابع »، لأنه أكثر أفلامه شعبية، كما انه حظي برضا وإعجاب النقاد، لأنهم وجدوه يعبر عن السينما، التي يريدون، غير أن بيرغمان نفسه عدّه فيلماً فاشلاً فنياً!
لماذا؟
نرى أن سبب الفشل، إن صح التعبير، يعود إلى فكرة بيرغمان، التي جسدها بالاستناد إلى مصادر متباينة عدة، أفقدتها وحدتها الفنية، وبالتالي لم تتجانس حلول تطورها السردي، أسلوبياً. ويبدو لنا اليوم التردد الفني واضحاً في الفيلم: خليط أسلوبي من أداء حواري يتعارض مع مشاهد سينمائية، ذات تكوينات بصرية مُعبرة، مرصعة بالنور والظلال المُوحية، وتجسيد بواقعية صرفة لمشاهد خيالية حلمية، يزيد واقعيتها حوار مسرحي طويل لا يخلو أحياناً من بلاغة فلسفية.
جاءت فكرة الفيلم في الأصل من انبهار بأغاني الأعياد الدينية الشعبية حول سنوات الطاعون والحرب في كورال موسيقى كارمينا بورانا لكارل أوف، التي حينما سمعها بيرغمان هتف: « هذا هو فيلمي »، لكنه رجع إلى مسرحية « حفر على الخشب » الحوارية، التي كان قد كتبها وأخرجها كتمرين لطلابه، ثم رجع إلى الجداريات الدينية في الكنائس الريفية، التي كان يزورها بصحبة والده القس، والتي تصور رسومها المذابح ومريم المجدلية والفارس الذي يلعب الشطرنج مع الموت.. وكانت الحصيلة سيناريو أدبياً، لم يراع في بنيته الفيلمية، لا كشف الدوافع الدرامية في صياغة عقدة بطله، التي تظهر جاهزة، ولا نجح في إيجاد الشكل المناسب لحكايته الدينية.
لكن رغم ( نجاح/فشل ) الفيلم! لاتزال راهنيته تأتينا وجدانياً، من مضمونه الاستعاري: كان الناس في الماضي يعيشون في حالة ذعر دائم من الحروب وانتشار الطاعون، وهم الآن يعيشون في حالة ذعر دائم من حروب الأسلحة الفتاكة، وتشبه عودة الفارس من الحرب الصليبية الكبيرة، عودة أي جندي اليوم من الحروب الصغيرة المدمرة، التي تندلع في أرض البشر.
* نقلا عن الإمارات اليوم