EN
  • تاريخ النشر: 29 ديسمبر, 2011

لحظة الإبداع

المخرج المصري محمد خان

محمد خان

لحظة الإبداع لا يجب أن تفلت من بين يدي المبدع مستشهدا بموقف تعرض له في فيلمه «أحلام هند وكاميليا»

(محمد خان) لحظة الإبداع هي لحظة ضعف وقوة في آن واحد.. لحظة استسلام حريص لخاطر ما، أو انطلاق شجاع نحو فكرة طارئة.. هي لحظة خاصة جدًّا، فريدة المذاق، قد تمر خطفا أو تنفجر عند ذروة. دائما مشحونة بالولع. هي خلاصة عقل باطني شغوف أو الخلاص لرؤية مكبوتة تبحث عن صيغة. فما بالك إذا انحصرت هذه اللحظة في لقطة سينمائية بالغة المضمون.

 

لكن الخوف والتردد يقف بالمرصاد، يرمي ظلال الشك على اللحظة.. هل هي لحظة مدعية أو متعالية أو سطحية؟ على المبدع أن يتخطى كل هذه الهواجس ويصدر قراره، التمسك باللحظة أو التخلي عنها.

 

في فيلمي «أحلام هند وكاميليا» أختتمه بمشهد شاطئ البحر؛ حيث نجد هند (عايدة رياض) وكاميليا (نجلاء فتحي) يلهثان بحثا عن طفلتهما أحلام بعد أن ظناها قد خطفت أو تاهت.

 

في أثناء تحضيري للحظة عثورهما على أحلام وأنا أخطط للمشهد على الورق الليلة السابقة لتصوير المشهد، انتابني ما شعرت به لحظة إبداع حين تخيلت الطفلة أحلام بمفردها على الشاطئ تلتقط من على الرملة لمبة كهربائية تالفة، بررت وجودها في ذهني بأن البحر لفظها أو رماها صاحبها للتخلص منها. وتخيلت لحظة وصول ورؤية هند وكاميليا طفلتهما تلوح لهم واللمبة في يدها تبدو مضاءة مع انعكاس شمس الغروب على سطحها. وكانت لحظة ختامية للفيلم تخلط بين الحلم والواقع، اعتبرتها لحظة إبداع قوية. إلا أنه تدريجيا بدأ التردد والخوف ينتابني. الخوف من أن يصبح المشهد مصطنعا، يدعي أشياء كثيرة لا أقصدها بالمرة وحتى اللمبة الشبه مضاءة ومرفوعة في يد الطفلة قد تفسر برمز سياسي سخيف لتمثال الحرية، فتخليت عن الفكرة.

 

في اليوم التالي وبعد أن حكيت لمدير التصوير الفكرة وأسباب تجنبها وبعد الانتهاء من تصوير المشهد مع احتضان كل من هند وكاميليا للطفلة أحلام، ومع غروب الشمس إذ بمدير التصوير يلوّح لي من مسافة ويفاجئني بلمبة كهربائية تالفة وحقيقية هذه المرة ألتقطها من على الرملة.

 

وكان الدرس واضحا وهو أن لحظة الإبداع هي بالفعل لحظة لا يجب أن تفلت من بين يدي المبدع وأن يتمسك بها ويسعى لتحقيقها مهما تدخلت الشكوك والمخاوف، فهي لحظة قد لا تتكرر في عمل واحد وتستحق القبض عليها بإحكام حتى لا تتوه في بئر.

 

(*) نقلًا عن صحيفة التحرير القاهرية