EN
  • تاريخ النشر: 09 أكتوبر, 2011

كف القمر».. عندما يتوب الديكتاتور!

fan article

fan article

في فيلم "كف القمر" يجسد خالد صالح الديكتاتور الذي يتخلص من كل آثامه ويعود إلى رشده،فهل حاول مؤلف ومخرج العمل أن يجسدوا ما حدث في الثورات العربية؟

كل الحكام العرب وعند لحظة فارقة وقفوا فيها بين الحياة والموت، اضطروا بعدها أن يقولوا نعم للديمقراطية وانصاعوا لإرادة الشعب.. أعلنها مبارك «لم أكن أنتوى الترشح مرة أخرى»، قالها بن على «الآن فهمتكم» والقذافي «لست رئيسا حتى ألقى الاستقالة في وجوهكم يا جرذان»، ولا يزال يلعب بنفس السلاح بشار وهو يلغى قانون الطوارئ ويعد بحياة ديمقراطية قادمة، وصالح وهو يؤكد «فاتكم القطار» ثم يؤكد الرغبة في التسامح مع معارضيه، ولم تنطلِ تلك الأكاذيب على الشعوب التي كان لسان حالها قد فاض به الكيل مثل هذا المواطن التونسي الذي صارت كلمته دستورا «لقد هرِمنا.. هرمنا». الكل.. كان يدرك أن الغرض الحقيقي الذي أضمره الديكتاتور هو أنه سوف يخفض رأسه قليلا حتى تهدأ العاصفة ليطل مرة أخرى بقبضة أشد قسوة.. الشعوب العربية على أرض الواقع أدركت حيلة الديكتاتور!

إلا أن الديكتاتور خالد صالح الذي قدمه خالد يوسف في  «كف القمر» منحه المخرج فرصة أخرى.. لقد صنعه خضوع شعبه ثم تمردوا عليه وكادوا يطيحون به، إلا أنه في نهاية الأمر استطاع أن يحتوى غضبهم وشاهدناه وهو يبني معهم البيت مرة أخرى ليعيد بناء الجدران بالطوب الأحمر مثلما كانت تلك هي وصية أبيه الراحل، بل ويقود أشقاءه الأربعة. ولم يكتفِ المخرج بهذا القدر، بل ويمنح الديكتاتور مكافأة في نهاية الفيلم بأن تعود إليه زوجته الحسناء (غادة عبد الرازق) وطفلته الوليدة التي أبعدوها عنوة عنه!

هل الزعيم الذي يأخذ صفات المستبد العادل ثم يغتال العدالة كلما ازدادت مساحات الخضوع له ليصبح هو القائد الملهم وله السمع والطاعة من الممكن في لحظة أن يتطهر ويتوب؟ تلك هي المعضلة التي عاشها بطل الفيلم خالد صالح عندما مات والده فصار هو بديل الأب، منحوه طواعية مصائر حياتهم، أصبح هو الراعي على أشقائه يتابعهم ويعاقبهم لو أخطؤوا بينما هو لا يطوله القانون لأنه أصبح هو القانون، وليس فقط فوق القانون!

ثار الشعب في الشريط السينمائي مثلما شاهدناه ثائرا في أكثر من بلد عربي.. الأشقاء الأربعة قرروا التمرد، حطموا صورة الزعيم الذي كانوا قد أقاموا له تمثالا في قلوبهم بينما هو استباح أموالهم وشرفهم وأعراضهم حتى لو لم يتعمد ذلك، إلا أنه كان موقنا بأنه امتلك بين يديه حياة الأشقاء.. كل منهم من أجل تأكيد الخضوع المطلق تنازل له عن شيء عزيز، حتى جاءت اللحظة الفارقة واشتعلت ثورة الغضب بين الأشقاء ضد الكبير مثلما شاهدناها في الشارع العربي على أرض الواقع.. كان ينبغي على الشاشة التخلص من الطاغية مهما قدم من وعود، إلا أنه في فيلم خالد يوسف لم ينتهِ الأمر على هذا النحو، حيث إن الشعب كتم غيظه وصدّق الطاغية، بل نصبوه زعيما مرة أخرى لإعادة بناء بيت العائلة الذي هو رمز للوطن.

لا أدري على وجه الدقة ما العلاقة الواقعية بين فيلم «كف القمر» وثورات الربيع العربي.. المؤكد أن الفيلم تمت كتابته قبل الثورة وصُور أغلب مشاهده قبل اندلاع الغضب، ولكن ألم تضف الثورة شيئا إلى العمل الفني؟ أم أن هذه كانت مجرد رؤية الكاتب قبل الثورة؟ أشعر من خلال الشريط السينمائي أنه قد أضيفت رتوش وظلال وأن المتلقي لا شعوريا سوف يتأثر في أثناء تعاطيه للفيلم بالثورة، ومن الممكن أن تضع مشهدا في بداية الأحداث أو تعيد أداء مشهد أو تغير لقطة في التتابع، ويؤدى ذلك إلى انقلاب، ليس فقط تغيير في استقبال العمل الفني الذي تتم إعادة تشكيله في أثناء المونتاج فتعيد قراءة الفيلم مرة أخرى.

فيلم «كف القمر» خطه الدرامي ينتقد بضراوة الديكتاتور ويدين في نفس الوقت الشعب الذي صنعه، إلا أنه في اللقطات الأخيرة يصالح عليه الشعب.

على أرض الواقع لم تصدق الشعوب دموع أي ديكتاتور عربي، ولكن خالد يوسف صدق توبته وتطهره.. الشعوب سبقت الشاشة في التخلص من الديكتاتور وكانت مثل السيف كما قال الشاعر أبو تمام «أصدق إنباءً من الكتبِ» وتستطيع أن تضيف، ومن الأفلام!

نقلاً عن صحيفة التحرير القاهرية