EN
  • تاريخ النشر: 13 مارس, 2012

فيلم (الشبكة).. ذروة سينما الرفض والاحتجاج

الكاتب السعودي رجا ساير المطيري

رجا ساير المطيري

فيلم (الشبكة) لا يعبر عن حنق الأمريكيين على المال العربي فحسب، بل عن مجمل الفساد الذي أحكم بقبضته على مفاصل الحياة الأمريكية، وتحديدًا في مجال التلفزيون الذي هيمن عليه رأسماليون شرسون

  • تاريخ النشر: 13 مارس, 2012

فيلم (الشبكة).. ذروة سينما الرفض والاحتجاج

(رجا ساير المطيري)     "إن السعوديين يشتروننا بأموالهم، يتحكمون بالنفط، يمتلكون أرامكو، ويريدون السيطرة على بنوكنا وشركاتنا، لا بد أن نقاومهم، لذا أطلب منكم أيها الأمريكيون أن ترسلوا برقيات الرفض لمكتب الرئيس الأمريكي".ويستمر المذيع هوارد بيل في ثورته التلفزيونية العارمة فيصرخ في وجه المشاهدين طالبًا منهم أن يغضبوا، فقط أن يغضبوا، لأن الواقع الأمريكي أصبح متعفنًا مشوهًا من كل الزوايا.وقد جاء حديثه الثائرُ هذا في ثنايا فيلم عظيم عنوانه (الشبكة-Network) ظهر في العام 1976 على وقع الأزمة الاقتصادية التي عاشها الأمريكيون بسبب قطع إمدادات النفط العربي.

ليس الفيلم عن حنق الأمريكيين على المال العربي فحسب، بل عن مجمل الفساد الذي أحكم بقبضته على مفاصل الحياة الأمريكية، وتحديدًا في مجال التلفزيون الذي هيمن عليه رأسماليون شرسون لا يعبأون بأي قيم أخلاقية خلال لهاثهم المسعور خلف الأرباح.

لقد ضمّن المخرج الراحل سيدني لوميت في فيلمه عنفوانًا ثوريًا جعله ذروة ما سُمّي بموجة الرفض والاحتجاج التي سيطرت على السينما الأمريكية منذ نهاية الستينيات وحتى منتصف السبعينيات والتي كان سيدني لوميت بالذات أحد نجومها البارزين بأفلامه الصارخة في وجه فساد النظام ومن أهمها فيلماه الرائعان (سيربيكو-Serpico) و(ظهيرة يوم قائظ-Dog Day Afternoon) من بطولة آل باتشينو إلى جانب فيلمه الأسطوري (اثنا عشر رجلًا غاضبًا-12 Angry Men) الذي أخرجه عام 1957.

في فيلم (الشبكة) المرشح لأوسكار أفضل فيلم؛ يغوص سيدني لوميت في عالم صناعة التلفزيون الأمريكي ليقدم من وراء ذلك رفضًا حادًا و"جذريًا" لهذه الصناعة التي أفسدت عقل الفرد الأمريكي وجعلته يفقد حساسيته الإنسانية وينشغل بالتفاهات الاستهلاكية تاركًا بلده للشركات عابرة القارات لتعيث فيها فسادًا دون أن يفكر أدنى تفكير في المقاومة.

ولذلك جعل لوميت من شخصية المذيع هوارد بيل -التي أداها ببراعة الراحل بيتر فينش- بمثابة صرخةٍ تحذير تُذكّر الأمريكي البسيط بأن واقعه سيئ إلى درجة لا يجدي معها سوى الثورة أو في أقل الأحوال الإعلان عن الغضب.

وهوارد بيل مذيع إخباري ناجح يعمل في شبكة التلفزيون الوطني منذ سنوات طويلة، لكنه تعرض لنكسة جعلت نسبة مشاهدته تنخفض إلى الحد الذي أجبر إدارة الشبكة لأن تطلب منه الاستقالة، فيرضخ لذلك شريطة أن يسمحوا له بالظهور على الهواء ليعلن للجمهور اعتزاله العمل، فكان هذا الظهور الأخير بمثابة الولادة الجديدة له، والأساس الذي ستنهض عليه كامل أحداث الفيلم، حيث قام في إطلالته الأخيرة بالتعبير عن سخطه ويأسه وتشاؤمه من مستقبل أمريكا في ظل النظام الفاسد الذي يحكمها، فكانت نتيجة ذلك أن ارتفعت نسبة مشاهداته لتقوم الشبكة من جديد بالإبقاء عليه واستغلال نجاحه المفاجئ.

ومن هنا يبدأ الفيلم في الاتجاه نحو الانتقاد الصريح لصناعة التلفزيون وللهوس الذي يُحرك القائمين عليها، حيث لا يشغلهم إلا رفع نسبة المشاهدة بأي طريقة، حتى لو كان على حساب الأخلاق والقيم الإنسانية.

يُمثل السيد فرانك هاكيت والسيدة ديانا كريستنسن الجانب المتوحش لصناعة التلفزيون.فرانك الذي أدى دوره المبدع روبرت دوفال هو المدير الجديد للشبكة التلفزيونية والذي جاء بتكليف من شركة سي سي إي التي اشترت الشبكة وطلبت منه أن يعمل على إعادة هيكلتها بحسب مقتضيات السوق دون اعتبار للرسالة الأخلاقية للإعلام.

أما ديانا التي أدت شخصيتها نجمة السبعينيات فاي دونواي فموقعها في قصة الفيلم مديرة البرامج التي تنوي استغلال نجاح المذيع هوارد بيل حتى الرمق الأخير ولو أدى ذلك لانهياره النفسي والجسدي.

وإلى جانب هؤلاء الثلاثة هناك شخصيات أخرى كلها من قلب التلفزيون، أظهرها المخرج لوميت بشكل معياري نموذجي تكون فيه كل شخصية نموذجًا متطرفًا لشعور أو حالة نفسية معينة، فالمذيع هوارد بيل يُجسد الثورة في أقصى حالاتها، والمدير هاكيت نموذجٌ مميز للجشع الرأسمالي، فيما تُمثل ديانا أقصى درجات "الهوس" التلفزيوني بنسب المشاهدة والإعلانات التجارية إلى الحد الذي فقدت معه شعورها الإنساني الطبيعي فلم تعد قادرة على أن تحب أو تكره مثل بقية البشر، إنها تعيش في التلفزيون وتحيا بالتلفزيون، وهي نموذج مثالي للعقلية التي تحكم صناعة التلفزيون، وتقدم تصرفاتها تفسيرًا منطقيًا لشهوة الإعلام نحو الفضح والإثارة والقفز على كل المحرمات السياسية والدينية والجنسية.

كل هذه العناصر يضعها سيدني لوميت في قلب حكاية محكمة البناء امتلأت بالصراع بين الشخصيات، وباللحظات المتفجرة التي تثور فيها كل شخصية لتقول ما يُعبّر عن جوهرها الحقيقي.

في هذه اللحظات الثورية، القوية، يكمن جمال الفيلم، إذ احتوت على أداءات عظيمة من الممثلين، وعلى حوارات عميقة جدًا تعطي بيانًا صريحًا للخطورة التي تنتج عن سيطرة المال على التلفزيون؛ تلك السيطرة التي يرفضها المخرج لوميت جملة وتفصيلًا وذلك على لسان شخصية المذيع هوارد بيل حين يقول بروح لاهثة ثائرة في برنامجه الجديد: "إنكم أيها الأمريكيون في مأزق كبير لأن 62 مليونا منكم ينصتون لي الآن، لأن أقل من 3 بالمائة منكم يقرأ الكتب، وأقل من 15 بالمائة يقرأ الصحف، أنا الحقيقة الوحيدة التي تعرفونها، الآن يوجد جيل كامل لا يعرف شيئًا خارج هذا الجهاز، هذا الجهاز هو الإنجيل، يمكنه صناعة أو تدمير الرؤساء، الباباوات، الوزراء، هذا الجهاز قوة لعينة، الويل لنا إن وقعت في أيدي الناس الخطأ، هذه الشبكة الآن في أيدي شركة سي سي إي، وعندما تتحكم أكبر 12 شركة في العالم في الإعلام، فمن يعلم أي هراء سيبُث على رؤوسنا، لذا لتسمعوا لي، اسمعوني، التلفزيون ليس الحقيقة، التلفزيون منتزه، سيرك، مهرجان فرقة جوالة من البهلوانيين ومشعوذين وأصحاب نزوات، لذا إن أردتم الحقيقة، توجهوا لله، توجهوا إلى معلميكم، توجهوا لأنفسكم، لن تحصلوا على أي حقيقة منا، سنكذب عليكم، ومهما كانت المشاكل التي يواجهها بطل المسلسل فلا تقلقوا، انظروا لساعاتكم فقط، لأننا بعد انتهاء ساعة سنجعله يفوز، إننا نتعامل مع الأوهام، وبدأتم تصدقوننا، بدأتم تظنون أن الجهاز واقع وأن حياتكم هي الخيال، تفعلون كل ما يقوله الجهاز لكم، تلبسون مثل الجهاز، تأكلون مثل الجهاز، تفكرون مثل الجهاز، أنتم أيها الناس، أنتم الشيء الحقيقي ونحن الخيال.. لذا أغلقوا التلفزيون".

* نقلا عن صحيفة الرياض