EN
  • تاريخ النشر: 17 يناير, 2012

هل ننتظر أعمالا فنية بمواصفات الحلال والحرام؟ فنانون مصريون ومغازلة السلطة.. "وإسلاماه" بعد "وامباركاه"

الناقد المصري طارق الشناوي

الناقد المصري طارق الشناوي

أغلب النجوم دائماً ما يراهنون على من يملك السلطة،ومن الواضح أن البوصلة الآن في مصر تشير نحو التوجه الإسلامي

  • تاريخ النشر: 17 يناير, 2012

هل ننتظر أعمالا فنية بمواصفات الحلال والحرام؟ فنانون مصريون ومغازلة السلطة.. "وإسلاماه" بعد "وامباركاه"

 

انتهى مؤتمر حماية حرية الإبداع الذي عقد بنقابة الصحفيين المصريين السبت الماضي بإصدار بيان يحذر فيه الاقتراب من حرية الفنون ويرفع شعار سقوط أية رقابة دينية تلوح في الأفق، وسوف يشارك مئات من الفنانين في مسيرة تتوجه من دار الأوبرا إلى مجلس الشعب يوم الإثنين المقبل، محذرة مجلس الشعب بأغلبيته الإسلامية بأن الإبداع خط أحمر.

 على الجانب الآخر، فإن جماعة الإخوان وعلى رأسهم المرشد "محمد بديع" يرسل بين الحين وآخر رسائل تطمينية إلى الفنانين للتأكيد بأنهم مع حرية التعبير، ولكن مع ضرورة أن يحاط ذلك بإطار يدعم الفن الهادف، وهنا تتعدد وجهات النظر في مفهوم الهادف.

هل نطبق المرجعية الدينية في تقييم الفن لو حدث ذلك، فسوف نجد عشرات من الأعمال الفنية تتعثر في الرقابة ولا يسمح بتداولها.. المرجعية الدينية للفنون تخضع للحلال والحرام، وهو معايير مطلقة بينما القواعد الفنية نسبية تتغير من مجتمع إلى آخر ومن زمن إلى آخر.

ورغم أن ما نراه هو تخوف من سيطرة الإخوان على الإبداع، خاصة وأنهم سوف ينتجون أعمالاً فنية من خلال شركات بدأت بالفعل في وضع خطتها سوف نجد الوجه الآخر للصورة هو أن عدد من الفنانين سوف يرحبون بالعمل في هذه الشركات، بل هم من الآن يعلنون ترحيبهم قائلين "وليه لأ" سوف تستمع كثيراً إلى هذا التعبير "وليه لأ" يتكرر دائماً على ألسنة عديد من الفنانين، مؤكدين أنهم من الممكن أن يشاركوا في أي عمل درامي ينتجه الإخوان المسلمين، بعد أن أصبحوا هم أصحاب الكلمة الأعلى تأثيراً في مختلف جوانب الحياة السياسية وأيضاً الثقافية.

الرهان على السلطة

علمتنا التجربة أن أغلب النجوم دائماً ما يراهنون على من يملك السلطة مرددين "اللي يتجوز أمي أقوله يا عمى" كان جوز أمهم هو مبارك والعائلة والدائرة القريبة منه الذين استباحوا مقدرات الوطن لصالحهم.. كانت بوصلة النجوم تتجه إلى من يوفر لهم الحماية ويضمن مكاسبهم، ومن الواضح أن البوصلة الآن تشير نحو التوجه الإسلامي، فلا بأس أن يرددوا " واإسلاماهفهم يجيدون الرقص على كل الأحبال.

لم تعلمهم تجربة ثورة 25 يناير أن الرهان على الحاكم ليس دائماً هو الصحيح لم يكن فقط "تامر حسنى" هو الذي توجه إلى مبارك عندما أعتقد أن بقائه سيظل أبدياً وأعد له أغنية ردد كلماتها ونغماتها في التليفزيون المصري الرسمي وبعد سقوطه توجه للتحرير وباقي الحكاية معروف فلقد كان هو صاحب النصيب الأكبر في السخرية و"النت" لم يرحم عزيز قوم فل -من الفلول- فصارت فضيحته بجلاجل.

 عدد لا بأس من الفنانين بالمباركة للتيار الإسلامي وبدأ بعضهم بالفعل باتهام كل من يهاجم هذا التيار بأنه يحمل أجندات أجنبية للنيل من الإخوان!!

هل كان الفنانون الذين سوف يراهنون على الفن الذي تنتجه شركات تابعة للإخوان يقدمون لجمهورهم فناً ملتزماً من هذا النوع الذي أطلقوا عليه نظيف؟ أرجو ألا ننسى أغنية رددها مثلاً "تامر حسنى" مع "زينة" وهو يقول "أحلى حاجة فيكي هي طي.. طي" وكانت نظرة عينه وحركة الكاميرا فى كليب الاغنية تكمل الحروف الناقصة في "طي..." إلا أنه في اللحظة الأخيرة يكمل الحرفين، ويقول "طيبة قلبك".

 صعود التيار الإسلامي سياسياً ينبغي أن نرصده بكل مقوماته لأن تيار الإسلاميين الحاصل على الأغلبية في الانتخابات الأخيرة لم يحقق هذه النسبة لقوته، ولكن لغياب القوى الأخرى، ولأن الناس لا تعرف كثيرا عن الآخرين لاقت الأحزاب التقليدية الكرتونية مثل "الوفد" و"التجمع" التي كانت جزءا من ديكور الديمقراطية في عهد مبارك الهزيمة التي تستحقها.

كما أن الأحزاب الوليدة التي تجمعت تحت مظلة "الكتلة المصرية" لم تحصل على الفرصة الكافية التي تؤهلها لكي تصل إلى الناس، ورغم ذلك فإن الرهان على أن القادم هو التيار الإسلامي بصورته التقليدية أظنها نظرة متعجلة جداً، لن تصمد طويلاً أمام الحقيقة وهي أن هذا التيار سوف يتلقى ضربات من داخله.. إنها أشد الضربات قسوة لأنها تفضح التناقض وتؤكد وجود عديد من الأجنحة.

هناك من يرى في التيار الإسلامي أن أدب "نجيب محفوظ" داعر وهناك من يحرم الغناء والتمثيل حتى ولو كان غناءً دينياً فهو مكروه حتى لو لم يصل إلى درجة التحريم وهناك من يبيح الفن ولا يحاكمه أخلاقيا.

لو سألت الشيخ "يوسف البدري" عن رأيه مثلاً في تقديم مسلسل "الحسن والحسين" الذي رأينا فيه لأول مرة على الشاشة تجسيد لشخصيتي حفيدي الرسول عليه الصلاة والسلام لن يقول لك إنه حرام شرعاً مثلما أعلن ذلك مجمع البحوث الإسلامية، ولكنه سوف يعلنها صريحة مجلجلة وهي أن التمثيل كله حرام وما بني على باطل فهو باطل.

لو سألت الشيخ "يوسف القرضاوي" عن رأيه الفقهي في تجسيد "الحسن والحسين" سوف تكتشف أنه يراه حلالاً بل كان هو على رأس قائمة الذين وافقوا شرعياً على عرض هذا المسلسل.. هذا هو التناقض الذي ستراه معلناً عن نفسه في مجلس الشعب عندما تصبح كل أمور الحياة تنتظر فتوى شرعية.

لا أتصور أن التيار المتشدد سوف يرسم بمفرده ملامح الفن القادم فى مصر، أتوقع أن نرى الفنانون أقصد -قسطا وافرا منهم- وهم يشاركون في الأعمال الفنية المقدمة طبقاً لما تريده شركات الإنتاج ذات التوجه الإسلامي، إلا أن دائرة الفن سوف تتسع لتشمل كل الأطياف والأفكار، ولا أتصور أن مصر من الممكن أن تشهد فقط هذا النوع الفني وكأنه أحد الفروض الإسلامية مثل الصلاة والصيام.

"وليه لأ"

المؤكد أن عدداً من النجوم سيرحبون بالتعامل مع هذا التيار مرددين "وليه لأولكن الجمهور لن يحكم على العمل الفني من خلال ارتداء بطلاته الحجاب أو النقاب أو خلعه سيظل الفيصل هو قيمة الإبداع لا أشعر بالخوف من القادم، ولكننا سنتابعه ونحن نرى كيف يتلون عدد كبير من النجوم وهو يبايعون الأقوى؛ لأن قناعاتهم لم تتغير منذ زمن مبارك وحتى الآن ومبدأهم الأثير "اللي يتجوز أمي أقوله يا عمى"!!.

الجديد في الأمر هو أننا سوف نشاهد على الجانبين فنّاً يرفع شعار الإخوان مقدماً وفقاً للمواصفات الإسلامية وفناً آخر يرفع شعار التحرر من كل القيود ما عدا ضمير المبدع ويبقى السؤال إلى من ينحاز الجمهور؟

 

(*) ناقد مصري