EN
  • تاريخ النشر: 14 يونيو, 2009

بعيدًا عن ميوعة هيفاء ودموية السقا عجوز "up" يتنازل عن حلمه في شلالات الجنة

فيلم " up" يدفع البشر للبحث عن أحلامهم

فيلم " up" يدفع البشر للبحث عن أحلامهم

بعيدًا عن ميوعة هيفاء في "دكان شحاتة" ودموية أحمد السقا في إبراهيم الأبيض، يشعرك فيلم (أب Up) أو "رحلة حول العالم" أن الأحلام مهما كانت خيالية أو غير معقولة، فإنها يمكن أن تتحقق في الحياة طالما كان صاحب الحلم يملك الإرادة والإيمان بحلمه وبقدرته على تحقيقه، بل إن الحياة نفسها لا يمكن أن تستمر دون أن يكون لدى كل منّا حلم يطارده ويسعى لاقتناصه، فقط علينا أن ندرك ماهية هذا الحلم، فربما يتحقق بالفعل دون أن ندري، فنظل نطارد شبحًا في خيالنا، بينما هو متجسد في حياتنا ومن حولنا. ولكن كم بالونٍ نحتاجه لكي نعطي أحلامنا القدرة على التحليق؟.

بعيدًا عن ميوعة هيفاء في "دكان شحاتة" ودموية أحمد السقا في إبراهيم الأبيض، يشعرك فيلم (أب Up) أو "رحلة حول العالم" أن الأحلام مهما كانت خيالية أو غير معقولة، فإنها يمكن أن تتحقق في الحياة طالما كان صاحب الحلم يملك الإرادة والإيمان بحلمه وبقدرته على تحقيقه، بل إن الحياة نفسها لا يمكن أن تستمر دون أن يكون لدى كل منّا حلم يطارده ويسعى لاقتناصه، فقط علينا أن ندرك ماهية هذا الحلم، فربما يتحقق بالفعل دون أن ندري، فنظل نطارد شبحًا في خيالنا، بينما هو متجسد في حياتنا ومن حولنا. ولكن كم بالونٍ نحتاجه لكي نعطي أحلامنا القدرة على التحليق؟.

عقب وفاة زوجته ورفيقه حياته إيللي يجد العجوز فريدريكسن نفسه وحيدًا في منزله القديم، بينما مدينته التي طالما كانت أفقًا لأحلامه هو وزوجته تختفي وتصبح مساحة فقط لدق خوزايق ناطحات السحاب.

فريدريكسن الذي يظل صامتًا طوال الخمس دقائق الاولى من الفيلم والتي تختصر سبعين عامًا من الحياة الجميلة مع رفيقةٍ مميزة يبدأ في التحدث الآن مستنكرًا رغبة من حوله في شراء منزله، فهو لا يزال يعيش بداخله وكأنه علبة ذكريات كاملة تحتوي على روح إيللي التي تسكن صورها المعلقة كل ركن به.

إن الخمس دقائق الأولى بالفيلم لهي حالة بصرية ودرامية شعرية جميلة خاصةً مع موسيقى مايكل جياشينو تجعلنا لا نتعرف فقط على طبيعة الحياة التي عاشها فريدريكسن مع إيللي، ولكننا نتعلق بشخصية إيللي التي ترحل بهدوء تاركةً ذكرى تلك الدقائق الخمس تهيم في وجداننا طوال الفيلم وتشعرنا بفلسفية الفكرة القائلة بأن الحياة الحلوة تمر سنواتها الطويلة مثل دقائق معدودة من فرط لذتها.

وفي لحظة عناد مع الحياة والمجتمع القاسي، يمسك العجوز بكتاب المغامرات الطفولي التي كانت إيللي تنوي استكماله، عندما تذهب إلى شلالات الجنة ذلك المكان الغامض الذي يعيش في زمن منسي بأمريكا الجنوبية، ويتذكر فريدريكسن أن هذا الكتاب يمثل حلم إيللي في الحياة، ويقرر العجوز في تلك الليلة أن يحقق لها ذلك الحلم بأن يضع ذلك المنزل الذى عاشا فيه سويًّا على قمة شلالات الجنة عبر التحليق به عبر آلاف البالونات إلى هناك.

إن أجمل الرحلات الخيالية التي صنعتها أفلام والت ديزني كان الأطفال دومًا إما أبطالها، وإما أحد الشخصيات الرئيسة بها، فنحن لا يمكن أن نصنع رحلة فانتازية دون وجود خيال الأطفال، وأرواحهم المنطلقة وشقاوتهم التي تفجِّر الأفكار العميقة التي تشعرنا أن خبرة الحياة كلها مختزلة في سنوات عمرهم الصغير.

الطفل في هذه الرحلة هو راسيل، ذلك البدين الجميل الذي يريد أن يصبح مستكشفًا عندما يكبر، فينضم إلى فريق الكشافة، وتبقى له شارة واحدة ليصبح في تعداد المستكشفين الكبار، وهي أن يساعد مسنًّا، وأي مساعدة تلك أهم وأروع من مساعدة فريدريكسن العجوز في أن يحقق حلم إيللي، وعبر مواقف بسيطة وطريفة ينضم راسيل بالصدفة إلى فريدركسن في طريقهم إلى شلالات الجنة.

عندما يقرر مهرجان كبير مثل مهرجان كان أن يفتتح عروضه الرسمية بفيلم مثل (أب) فهو إذن لا يرى فيه مجرد فيلم ثلاثي الأبعاد موجه للأطفال، ولكنهم بلا شك لمسوا ما وراء هذه الرحلة الغريبة من أفكار نفسية عميقة، فبينما يقترب فريدريكسن من شلال الجنة يكتشف أن هناك طائرًا من نوع غريب كذلك الذي رأى هيكله العظمي في صغره عندما أعلن أحد المستكشفين العثور على شلالات الجنة.

لكن هذا الطائر الملون خفيف الظل، ما هو إلا طريد لمجموعة كلاب ناطقة إلكترونيًّا تعمل لحساب سيد مجهول، هذا السيد هو ذاته المستكشف الذي تحول حلمه بالعثور على هذا الطائر إلى هوسٍ غير عقلاني يحوله من عالم يريد تحقيق اكتشاف مفيد إلى شخص مهووس بحلمه.

إن هذا السيد المجهول يريد أن يحقق حلمه على حساب أي شئ آخر، حتى لو كان صيد هذا الطائر المنقرض وحرمانه من صغاره الذين يمثلون سلالة نادرة من الطيور.. إذن فنحن هنا لسنا أمام شرير تقليدي، ولكن أمام حالة تحول نفسي خطيرة حوَّلت الحلم إلى هوس مخيف.

في لحظة الذروة النهائية بالفيلم، يكتشف فريدركسن أن إيللي قد اعترفت له دون أن يدري أنها بالفعل حققت حلمها الذي عاشت من أجله وأن ذلك التحقق كان ملء سمع وبصر فريدريكسن طوال الوقت.

لقد اكتشف في كتاب المغامرات الخاص بإيللي أن الحلم الذي كانت تحلم به ليس مجرد العيش في بيت على شفا شلالات الجنة، وإنما هو زواجها وحياتها، أي بيتها الذي عاشت فيه مع فريدركسن.

لقد كان فريدركسن بحبه وإخلاصه وطيبته هو البيت، وكانت الحياة معه هي شلالات الجنة، ومن هنا يقرر أن يذهب لإنقاذ الطائر الجريح الذي وقع في يد المستكشف المهووس، رغم أنه كان قد استقر بالفعل هو والمنزل فوق الشلالات، لكنه أدرك حقيقة البيت والحلم، وفي مشهد شديد القوة يتخلص من أثاث البيت الذي كان يحميه بشدة في البداية ويتجه إلى أعلى.

كما اسم الفيلم (اب) هناك إحساس علوي طوال الوقت في كادرات الفيلم وزوايا الكاميرا، فنحن إما ننظر من أعلى، حيث البيت المحلق إلى أسفل حيث الأرض والشلالات، وإما أننا ننظر إلى أعلى حيث البيت، بينما نحن مع بقية الشخصيات على الأرض.

أما دراميًّا فالعلو يتحقق في فكرة أن البيت تسكنه روح إيللي الراحلة، بينما هو محلق فوق رأس فريد العجوز ينظر إليه، وكأنه يستشير إيللي في السماء حيث هي وحيث تدور أحداث الفصل الثاني والثالث من الفيلم على الأرض، لكن البيت يحلق عاليًا فوق الشخصيات دائمًا.

صحيح أن تنفيذ الفيلم المتقن ليس بغريب على استديوهات ديزني لكن قوة الفيلم تأتي من لمسة الواقعية السحرية التي تغلف كل تفاصيله الدرامية والبصرية بدايةً من فكرة التحليق ببيت عن طريق بالونات منفوخة وصولاً إلى الطائر النادر، والكلاب الناطقة بأطواق إلكترونية والتي تحلق بطائرات مقودها عظام صغيرة.

هذه اللمسة الواقعية السحرية تظهر أيضًا في تكنيك الإخراج، حيث تتأرجح الكادرات بين الشكل الواقعي للقطة وبين الزاوية الخيالية التي لا تتحقق في المنطق الطبيعي.. إنها روعة الواقعية السحرية، عندما تخرج من المتخيل وتتجسد على الشاشة ثلاثية الأبعاد.

(*) مقال خاص بموقع mbc.net