EN
  • تاريخ النشر: 22 فبراير, 2010

كلوني يبدع بدور"اللامنتمي" عاليا في الهواء.. أن تحمل شيئا على ظهرك!

مستر بينجام يكتشف معنى جديدا للحياة بمشاركة الآخرين همومهم

مستر بينجام يكتشف معنى جديدا للحياة بمشاركة الآخرين همومهم

نستطيع أن نتصور لماذا حقق فيلم "عاليا في الهواء UP IN THE AIR" للنجم الأمريكي جورج كلوني نجاحا كبيرا منذ بداية عرضه في الولايات المتحدة، ولماذا حصد عددا كبيرا من الجوائز في أهم المسابقات الدولية؟

  • تاريخ النشر: 22 فبراير, 2010

كلوني يبدع بدور"اللامنتمي" عاليا في الهواء.. أن تحمل شيئا على ظهرك!

نستطيع أن نتصور لماذا حقق فيلم "عاليا في الهواء UP IN THE AIR" للنجم الأمريكي جورج كلوني نجاحا كبيرا منذ بداية عرضه في الولايات المتحدة، ولماذا حصد عددا كبيرا من الجوائز في أهم المسابقات الدولية؟ عندما تعرف أنه أول فيلم يتحدث بشكل عميق عن تأثير الأزمة المالية العالمية على الجميع.. ليس من خلال الحسابات والأرقام ولا خطط الشركات الكبرى وانهيار البنوك، ولكن من خلال البشر، الذين يتأثرون بالطبيعة المادية القاسية التي أصبح عليها المجتمع الأمريكي الحديث.

"أريدكم أن تتخيلوا أن حياتكم عبارة عن حقيبة ظهر مشدودة الأربطة حول أكتافكم، وإنكم تحملون فيها كل شيء، بداية من الأرفف والأدراج المنزلية وصولا إلى سيارتكم وبيوتكم والأشخاص الذين تعاشرونهم، سواء كانوا أصدقاء أم أقارب.. إنكم بالطبع لن تتحملوا هذا الثقل، ولن تتمكنوا من الحركة، ولو لخطوة واحدة".

هذه هي تحديدا فلسفة بطل فيلمنا (مستر بينجام/ جورج كلونيوهي فلسفة "اللامنتمي" إلى شيء، والذي يعيش عاليا في الهواء متنقلا من مدينة لأخرى لأنه يعمل في واحدة من أغرب وأقسى مهن المجتمع الرأسمالي الأمريكي.

فهو المسؤول عن إبلاغ الموظفين غير المرغوب فيهم أو المستبعدين بأن شركاتهم التي خدموها لسنوات طويلة قررت الاستغناء عنهم، وهو ما كان يحدث بالفعل قبل الأزمة لكنه تفاقم كثيرا بعدها.

هذه المهنة الشديدة العنف التي تحتاج إلى شخص بلا قلب بل وبلا ذاكرة وبملامح وجه ثلجية هي ما يبرع فيه بطلنا، وهي ما تجعله يسكن في الأعالي طوال الوقت بعيدا عن أرض الواقع.

فهو لا يحمل حقيبة ظهر.. كتلك التي يحذر منها الآخرين في محاضراته التي يلقيها عن ضرورة عدم الانتماء إلى شيء من أجل النجاح والاستمرار في الحياة بخفة، ولكنه يحمل فقط حقيبة سفر صغيرة يجرها خلفه مستعينا بإيمانه بأن الحياة لا تحتوي على ما يستحق أن تحمله معك.

فقط أدواتك الضرورية.. وكروت الماستر كارد وعضوية الفنادق ونوادي تأجير السيارات وكوبونات الطعام.. وبالطبع التليفون المحمول الذي يتحول إلى وسيلة الاتصال الرئيسة بالعالم وبالآخرين.

هذا النموذج اللامنتمي.. والذي يمثل كيانا حيا للطبيعة المادية التي أصبحت تسيطر على الحياة الأمريكية، وأصبحت أمريكا نفسها تحاول تصدير هذا النمط إلى العالم كله.. ويجد نفسه فجأة وبشكل إنساني لا إرادي مدفوعا لأن يحمل في حقيبة ظهره أشخاصا ومشاعر لم يكن يتصور أنه يمكن أن يحملها يوما.

فالصدفة تقوده للتعرف إلى امرأة تطابق طبيعة حياتها وعملها فلسفته المادية اللامنتمية.. حتى إنهما يتفقان منذ البداية على أن لقاءاتهما أشبه بلقاءات المتعة الخالصة دون أي التزام أو حتى صداقة.

بل ويحددان مواعيد مقابلاتهما الجنسية عبر جداول أسفارهما.. وفي نفس الوقت تظهر التكنولوجيا وجها آخر.. عندما تبرز فكرة تطبيق عملية فصل الموظفين عبر شاشات الإنترنت، وبدون الحاجة للسفر إليهم لإبلاغهم بهذا القرار الوحشي، وذلك من خلال فتاة تقود عملية تغيير حماسية في أنظمة شركات صرف الموظفين.

ويصبح على بطلنا أن يلقنها أساسيات المهنة من خلال مرافقته برحلاته التي يقوم بها لصرف الموظفين من كل شركات أمريكا.. ونتيجة لإلحاح أخته الكبرى يضطر لحمل صورة كرتونية لأخته الصغرى وخطيبها لكي يقوم بوضعها في أشهر الأماكن التي يسافر إليها وتصويرها كأنهم كانوا هناك.

وفي لقطة من أهم لقطات الفيلم نجد الصورة الكرتونية تخرج من حقيبة السفر الصغيرة التي يجرها خلفه، ونصبح أمام دلالة بصرية على أنه أصبح يحمل آخرين في حقيبته.

فها هو يجد نفسه في قصة حب مع امرأة.. وفي حياته زميلة شابة تتحول إلى صديقة تحتاج إلى نصيحة.. وفي نفس الوقت التزام عائلي على رغم تفاهته وعدم اقتناعه بأهميته.. إذن فلا أحد مهما بلغت قسوة قلبه أو انعدام مشاعره يمكن أن يتخلص من كل الأشياء في حياته ويفرغ حقيبة ظهره لكي يتحرك خفيفا وناجحا.

كنتيجة طبيعية لكل هذه العلاقات الحية والحقيقية يتحول موقف بطلنا تدريجيا ويشعر بأنه فجأة يريد أن ينتمي لشيء.. لكيان ما أو لشخص ما.. إنه يريد أن يهبط من عليائه إلى الأرض ليجد أحدهم في انتظاره (زوجة وأطفال ومسؤوليات مادية واجتماعية).

صحيح أنه لا يتوقف عن مهنته لأن الأزمة الحقيقية ليست فيه ولكنها في طبيعة المجتمع الجافة القاسية التي تجعل رأس المال أهم من البشر، والتي لا تضع أي اعتبارات سوى للمصلحة الفردية.

هذه الفردية متمثلة في مصالح أشخاص يملكون شركة أو مؤسسة.. لا تريد أن تحتمل عبء موظف خدمها طويلا نتيجة أزمة مالية ليس له ذنب فيها، وربما كان أوقع ما في الفيلم هو اكتشاف البطل أن المرأة التي أحبها زوجة وأمّ وليست سيدة عزباء كما أوهمته.

بل إنها تصارحه بأنها تعتبره مجرد مهرب فقط من الحياة الطبيعية الروتينية المملة، وأن ما يناسبها هو اللقاءات السريرية العابرة كنوع من المغامرة الآمنة، فهي نتاج طبيعي للمادية الشديدة التي تفقد الناس أبسط قواعد الأخلاق، وهي الصدق.

بينما أصبح هو بعد تجربة حضور زواج أخته الصغرى شخصا آخر حتى إنه يضطر لأن يجلس مع خطيب أخته الذي يتردد في الزواج أمام المذبح لكي يقنعه بأن فلسفة اللامنتمي ليست ذات قيمة.. فمهما كنت ناجحا أو تعيش بلا مسؤوليات فإن الحياة أفضل بوجود شريك.. لأنه يجعل لتلك المسؤوليات معنى، ولذلك النجاح له طعم وقيمة.

جورج كلوني قدم في الفيلم أحد أفضل أدواره الإنسانية.. خاصة أن الشخصية تحتاج إلى ممثل يملك ملامح باردة وابتسامة اكسسوارية كتلك التي يملكها.. فهو في البداية شخص يقوم بإنهاء وظيفة شخص آخر دون أن يطرف له جفن.. ولكنه يتحول من داخله وتُصاب فلسفته المادية القاسية بفيروس إنساني رقيق يجعله يتغير داخليا.. فتلين ملامحه وتختفي ابتسامته وتبدأ مشاعره البشرية في الظهور على وجهه.

وعلى الرغم من أنه يستمر في التحليق عاليا في الهواء إلا أنه لم يعد الشخص نفسه من الداخل، وأصبح لديه أمل في أن يهبط يوما ما إلى الأرض ليعيش حياة طبيعية مثل بقية الناس، ولا شك أن هذا أفضل لجميع البشر.