EN
  • تاريخ النشر: 19 مايو, 2012

سينما وسياسة ونساء في مهرجان "كان"!!

الناقد المصري طارق الشناوي

الناقد المصري طارق الشناوي

المهرجانات السينمائية ليست مجرد أفلام وندوات، ولكن تاريخ المهرجانات تستطيع أن تقرأ بين ثناياه كيف أن الصراع السياسي كان الدافع وراء انطلاقه.

  • تاريخ النشر: 19 مايو, 2012

سينما وسياسة ونساء في مهرجان "كان"!!

المهرجانات السينمائية ليست مجرد أفلام وندوات، ولكن تاريخ المهرجانات تستطيع أن تقرأ بين ثناياه كيف أن الصراع السياسي كان الدافع وراء انطلاقه. "موسوليني" الطاغية الإيطالي هو الذي منح إشارة البدء لمرجان البندقية "فينسيا" قبل بداية الحرب العالمية الثانية  ممثلاً لقوى المحور، ليصبح هو أول وأقدم مهرجان سينمائي عالمي، وجاء رد دول الحلفاء من خلال فرنسا ليفتتح مهرجان "كانوهكذا لا يمكن أن ننسى هذا التاريخ ورغم ذلك فليست فقط السياسة هي التي تحرك المهرجانات ولكن أيضاً أحياناً تلعب التفاصيل الإنسانية والغيرة النسائية دورها.

شيء من هذا أو بلغة الدراما تنويعة على نفس "التيمة" للغيرة النسائية من الممكن أن تجده في هذا البيان الذي وقعته عدداً من الكاتبات والمخرجات في فرنسا ونشرته جريدة "اليموند" قبل أيام قليلة من افتتاح المهرجان الأربعاء الماضي في دورته التي تحمل رقم 65 يتهمن فيه إدارة المهرجان بإعلان الحرب ضد النساء حيث غاب عن المسابقة الرسمية بالمهرجان تواجد لأي فيلم عليه توقيع امرأة.. الغريب في الأمر أن يصبح على إدارة المهرجان أن ترد في بيان ومؤتمر صحفي على هذا الاتهام؟!

جاء الغضب النسائي الذي لم يكن له أي مبرر حقيقي ولكنه نوع من الحساسية المفرطة بينما هناك بالفعل قدر من التحفظ والغضب الإيراني الذي يري أن مهرجان "كان" يقود حملة سينمائية ضد النظام ويتبنى الأفلام التى يقدمها عدداً من المخرجين المحسوبين على التيار المعارض مثل "عباس كيروستامى" بل وأيضاً الذين أدينوا بالسجن وصدرت بحقهم أحكام مبدئية مثل "جعفر بناهي" و"محمد رسولوف" وبعدم ممارسة المهنة في أول سابقة من نوعها في العالم!!

"كيروستامي" عرض له في العام قبل الماضي في مهرجان "كان" فيلمه الرومانسي "نسخة مصدقة" وفي هذه الدورة يعرض فيلمه "مثل من وقع في الحب" داخل المسابقة الرسمية والفيلمان من الناحية الشرعية لا يمكن اعتبارهما إيرانيان؛ لأن الإنتاج غير إيراني الأول مشترك بين فرنسا وإيطاليا والثانى بين فرنسا واليابان ولم يكن للفيلم الأول أي علاقة بإيران والثاني الذي يعرض هذا الأسبوع يشير الملخص المنشور في كتالوج المهرجان أننا بصدد فيلم رومانسي، إلا أن الحقيقة هي أن النظام في إيران لا يرحب بـ "كيروستامي" ولهذا لا تسند إليه الشركات السينمائية أي أعمال بينما هو مطلوب كمخرج عالمي تتهافت عليه الشركات الأجنبية.. "كيروستامي" يحرص على ألا يقع تحت طائلة القانون فلا يفعل ما يمكن أن يسأل عليه جنائياً مثل "بناهي" و"رسولوف" تطاردهما السلطات ولا يستطيعان مغادرة إيران، بينما مثلاً المخرج الكبير "محسن مخلباف" صارت إقامته الدائمة في باريس.

في الدورة الماضية للمهرجان عرض فيلمي "وداعاً" لمحمد رسولوف و"هذا ليس فيلماً" لجعفر بناهي والمخرجان ممنوع عليهما ليس فقط مغادرة البلاد بل هما ممنوعان من ممارسة المهنة ويطاردهما شبح السجن وسبق للنجمة الفرنسية "جولييت بينوش" بطلة فيلم "نسخة مصدقة" وهي تقف على خشبة المسرح في قاعة "لوميير" لتستلم جائزتها أحسن ممثلة قبل عامين أن أعلنت تضامنها مع المخرجين في إيران.. كما أن "بناهي" تم اختياره وقتها في عضوية لجنة التحكيم في المهرجان وهم يعلمون أن السلطات الإيرانية لن تسمح له بمغادرة البلاد، إلا أن الهدف كان فضح التعسف الإيراني ضد المبدعين!!

هل نعتبر أن هذه المواقف ضد النظام الإيرانى أم أنها بالدرجة الأولى تنحاز إلى الدفاع عن الحرية ولهذا تدافع عن المبدع بغض النظر عن البلد التي ينتمي إليها.. أنا أميل أكثر إلى هذا التحليل لأن المهرجان لا يمكن أن ينعزل عما يجري على الصعيد السياسي في العالم والدليل مثلاً في العام الماضي تلك الاحتفالية الضخمة التي نالتها ثورات الربيع العربي من خلال عرض الفيلمين المصريين "18 يوم" و"صرخة نملة" على هامش المهرجان ولكن بحفاوة خاصة، وهو ما حظيت به أيضاً الثورة التونسية عندما عرض الفيلم التسجيلي التونسي الطويل "لا خوف بعد اليوم" كما عرض المهرجان في هذه الدورة الفيلم المصري "بعد الموقعة" ليسرى نصر الله والفيلم يتناول موقعة "الجمل" التي لعبت دوراً أساسياً في تغيير الدفة ناحية الثورة وأسقطت نظام مبارك ولكن بالطبع فإن الاختيار فني بالدرجة الأولى.

مهرجان "فينسيا" عرض قبل ثلاثة أعوام "الأيام الخضراء" لـ "هانا مخلباف" ابنة المخرج "محسن مخلباف" وهو معارض قوي للنظام الإيرانى وابنته تواصل المعارضة للنظام بل عائلة "مخلباف" كلها تمارس السينما وتعارض كبت الحريات الذى تمارسه السلطات الإيرانية ضد المبدعين.. كما أن المخرجة الإيرانية "شيرين نشأت" عرضت فيلمها "نساء بلا رجال" وحصلت على جائزة "الأسد الفضي" للجنة التحكيم الخاصة كأحسن إخراج وواكب ذلك أن عرض الفيلم الإيراني "لا أحد يعرف شيئاً عن القطط الفارسية" أيضاً في "كان" وهو ينتقد النظام عندما يتصدى لحرية الفنانون!!

لا أعتبر ما نشاهده في المهرجانات حرباً موجهة ضد إيران، ولكنه أسلوب فني في التعبير عن المؤازرة لمبدعين يمارس ضدهم القمع، ولهذا فإن إيران ترد على تلك القذائف السينمائية الناعمة بأفلام أخرى لعدد من المخرجين لا يزالون تحت مظلة النظام.

السياسة تلعب دوراً في الاختيارات الفنية للمهرجانات هذه بالتأكيد حقيقة ولكن إذا لم يدعم العمل الفني رؤية إبداعية فلن تنقذه السياسة!!  

ويبقى في الجعبة هذا الغضب النسائي الذي شهده المهرجان قبل أن تبدأ الفعاليات، وهو أشبه بالضربات الصديقة لأنها جاءت هذه المرة من داخل فرنسا وتحديداً من عدد من المخرجات والكاتبات احتجاجاً على عدم عرض أفلام للنساء في المسابقة الرسمية، ومثل هذه المطالبات تبدو وكأنها تعيد المرأة للخلف دُر في دنيا الإبداع، وكأن لجان الاختيار تضع معايير خاصة للاختيار ونسبة محددة للنساء وأخرى مثلاً لسينما أمريكا اللاتينية وثالثة للعالم الثالث، وهكذا لو فتحنا هذا الباب القائم على الاختيار النوعي لن نستطيع إغلاقه.

أحياناً أشعر أن أسوأ من يدافع عن حقوق المرأة هي المرأة، وذلك عندما يحاول بعضهن أن يجعل القضية هي المرأة ولهذا ينظرن للأمور من خلال عين نسائية لا ترى سوى نفسها فقط، فتتغزل فيها أو تضع لها إطارتا وتقيم سورا عاليا مكتوباً عليه هذه المنطقة مخصصة للرجال.. مثلاً تعبير أدب نسائي والذي أنجب بعد ذلك سينما نسائية أراه يقلل من شأن المرأة في عالم الإبداع القائم على الرحابة الفكرية التي تشمل العالم كله.. الكاتب أو المبدع بوجه عام ينبغي أن يصبح توجهه إنساني بالدرجة الأولى يتجاوز حدوده الجغرافية والبيئية والعرقية والدينية ليصل إلى العمق وهو الإنسان!!

الإبداع الفني الذي يستمد طاقته من عقل الإنسان الذي يحوي مخزون تجاربه وثقافته وتأمله بطبعه لا يفرق في تقييمه بين رجل وامرأة ولكن المباريات الرياضية التي تعتمد على القوة العضلية بالدرجة الأولى وليست الذهنية وإن كانت بالطبع لا تخلو من ذهن يفكر، ولكني أتحدث عن الجزء الأكبر منها في مثل هذه الأمور، فإن من يلعب الدور الأكبر هو العضلات فكان ينبغي أن تصبح لدينا كرة قدم وسلة وسباحة ورفع أثقال وملاكمة وغيرها فقط للنساء.

الغريب في الأمر أن السينما -التي بدأت في العالم ذكورية على يد الأخوين "لوميير" في فرنسا- في مصر -والتى تعتبر رائدة في العالم العربى في هذا المجال- عرفت الفن السينمائى من خلال رائدات نساء مثل "عزيزة أمير"، "فاطمة رشدي"،  "بهيجة حافظ"، "أمينة محمد" وغيرهن.

المرأة في مجال السينما حظيت بجوائز في كبرى المهرجانات مثل "كان" عندما أخذت السعفة الذهبية في التسعينيات المخرجة "جين كاميرون" عن فيلمها "البيانو" وأيضاً في مسابقة مثل الأوسكار ولم يخل الأمر من بعض المعوقات ولكن حصول المرأة على جوائز لم يكن في اعتبارها امرأة وعدم حصولها أو استبعاد فيلمها أيضاً ليس لكونها امرأة المخرجة "كاثرين بيجيلو" بفيلم "خزانة الآلام" تفوقت على طليقها "جيمس كاميرون" بفيلمه "أفاتار" في مسابقة الأوسكار 2010 لأنها كانت الأكثر إبداعاً طبقاً لرؤية أكاديمية الفنون والعلوم الأمريكية التي تقيم هذه المسابقة وكان الأوسكار من نصيبها.

 مواقف سياسية وغضب نسائي كل ذلك ممزوجاً بالأفلام تجده داخل هذه الدورة.. ونتواصل الأسبوع القادم!!

tarekelshinnawi@yahoo.com