EN
  • تاريخ النشر: 17 مايو, 2010

الحل لدى المحارب المفكر راسل كرو روبين هود يخلص الأمة من الأزمة

الفيلم يحتوي على جماليات بصرية ورؤية سينمائية واضحة

الفيلم يحتوي على جماليات بصرية ورؤية سينمائية واضحة

على الرغم من أنه لم يلقَ الاستقبال المتوقع في افتتاح الدورة 63 لمهرجان كان قبل أيام، إلا أن عرض فيلم "روبين هود Robin Hood" يأتي في توقيت مناسب؛ إذ يمر العالم بمجموعة من الأزمات الخانقة، وبالتالي يجب تحية كل من المخرج ريدلي سكوت والممثل راسل كرو

  • تاريخ النشر: 17 مايو, 2010

الحل لدى المحارب المفكر راسل كرو روبين هود يخلص الأمة من الأزمة

على الرغم من أنه لم يلقَ الاستقبال المتوقع في افتتاح الدورة 63 لمهرجان كان قبل أيام، إلا أن عرض فيلم "روبين هود Robin Hood" يأتي في توقيت مناسب؛ إذ يمر العالم بمجموعة من الأزمات الخانقة، وبالتالي يجب تحية كل من المخرج ريدلي سكوت والممثل راسل كرو على اجتهادهما الفني في الفيلم؛ إذ يحاولان تهيئة الحل لهذه الأزمات، ويجددان في الوقت نفسه ذكريات نجاحهما في رائعتهما السابقة فيلم "المصارع".

قدمت السينما العالمية أكثر من 25 فيلما عن شخصية روبين هود.. أمير اللصوص الإنجليزي، الذي يسرق من الأغنياء ليعطي الفقراء، ويحاول من خلال عصابته المرحة التي تسكن غابات شيروود أن يحقق العدل الاجتماعي أو قسمة العدل.. قبل الاشتراكية بسنوات طويلة.

وقد اختلف المؤرخون في تحديد واقعية الشخصية، فالبعض يقول إنها حقيقية والبعض يقول إنها فلكلورية أوروبية من نسج الخيال، أو هي خليط من شخصيات عدة عاشت في أزمنة مختلفة.

ويقدم ريدلي سكوت من زاوية الحدوتة الدرامية حياة روبن هود قبل أن يصبح هذه الأسطورة أو الشخصية الشعبية الشهيرة؛ إذ نتابع رحلة هذا الشاب منذ أن عاد من حملة ريتشارد قلب الأسد على بيت المقدس في فترة انهيار اقتصادي بأوروبا في القرن الثاني عشر، حيث تسببت الحملات الصليبية المتتابعة في إصابة أوروبا بأحد أسوء الأزمات الاقتصادية في القرون الوسطى.

ومن هنا يضعنا سكوت منذ المشاهد الأولى للفيلم في حال إسقاط تاريخي مباشرة على الواقع الأوربي والعالمي الحالي، وتبدأ كل تفاصيل الفيلم في التراكم داخل هذا القوس الذي فتحه لنا.

إن إنجلترا تنقلب على فرنسا بعد اختلاف الملك فيليب الفرنسي وريتشارد قلب الأسد، ويبدأ ريتشارد في نهب القلاع الفرنسية كتعويض عن تخلي فيليب عنه في الحملة الصليبية وخيانته له.. ولكن ريتشارد يموت ويجد روبين نفسه هو وثلاثة من زملائه مجرد مرتزقة بلا هدف سوى الهرب من الجيش، والحصول على حياة آمنة بعيدا عن الحروب والصراعات السياسية.

ولكن الصدفة تقوده لأن يصبح هو حامل تاج الملك الميت ليعود به إلى لندن كي يسلمه للملكة الأم، متنكرا في زي فارس يدّعي سير روبرت روكسلي.. وهو أحد فرسان الملك الذين قتلوا في كمين لخائن بريطاني يتزعم مجموعة من الفرنسيين.

ولأن روبين محارب شجاع وأمين وساذج كما وصفه الملك فإنه يقرر الوفاء بوعده للسير روبرت ويوصل سيفه إلى أبيه في مقاطعة نوتنجهام؛ حيث يلتقي هناك بزوجة الفارس القتيل الليدي ماريان وتتطور الأمور إلى ما لم يكن يتوقع.

في النصف الأول من الفيلم يعرض لنا سكوت ببساطة كيف أنه في زمن الأزمات الكبرى ينقلب الأصدقاء إلى أعداء والحلفاء إلى خونة والجيوش إلى مرتزقة، بل إن عرض الفيلم يتزامن مع تولي رئيس وزراء بريطاني جديد من حزب المحافظين، بينما نرى في الفيلم كيف يتولى جون الأخ الأصغر للملك ريتشارد الحكم فيظهر بمظهر الملك ضعيف الشخصية.. خائب الرأي.. فاسد الفكر.

كل هذه الإسقاطات تعكس مدى نفاذ رؤية سكوت وقدرته على استخدام التاريخ كمرآة للواقع الحالي.. بينما في النصف الثاني من الفيلم تبدأ الموعظة الفنية الحقيقية التي يصيغها سكوت ببراعته المعتادة في تقديم شحنات ملحمية عن قدرة الإرادة الإنسانية على تجاوز الأزمات مهما كانت.

فروبين يكتشف أن السيف الذي يحمله إلى مزرعة روكسلي ليسلمه إلى زوجة الفارس وأبيه منقوش عليه حكمة مهمة جدا هي (انهض وانهض مجددا حتى يتحول الحملان إلى سباع).

هذا السيف وتلك الجملة العميقة تصوغ لنا ماديا وسينمائيا كيف أنه في زمن الأزمة يصبح المخرج الوحيد هو المحارب صاحب الفكر أو صاحب الفلسفة، صحيح أن روبين يكتشف أن هذه الجملة لأبيه، وأن أباه كان أحد المفكرين (البنائينوأنه قتل بسبب وثيقة سرية أراد سادة إنجلترا أن تصبح دستور عدل فيما بينهم وبين حكومة الملك!

إلا أن تلك المصادفة المليودرامية تصبح نقطة تحول حقيقة في حياة روبين، وفي حجم الفكرة التي يطرحها الفيلم فأوروبا لم تستطع الخروج من أزمات القرون الوسطى إلى عصر النهضة سوى بهذا النوع من الرجال المحاربين ذوي الفكر والفلسفة، وهي نصيحة غالية يقدمها فنان مخضرم مثل سكوت في هذا الفيلم.

على الرغم من أن الفيلم يُظهر الفرنسيين في تلك الحقبة التاريخية كمتآمرين على إنجلترا في زمن الأزمة وكيف أنهم حاولوا أن يغزوا إنجلترا سرا عبر أحد الخونة البريطانيين، إلا أن هذا لا يعني أنه يتم التحقير من شأن الفيلم عند عرضه في كان.

وصحيح أن سكوت لم يقدم جديدا بالنسبة للمعارك الحربية كما قدمها في المصارع ومملكة الجنة، إلا أن الفيلم يحتوي على قدر لا بأس به من الجماليات البصرية والرؤية التشكيلية التي تصوغ الأفكار والأهداف الفنية بسينمائية واضحة.

وصحيح أن الفيلم ينسب ميثاق العدل الاجتماعي إلى الماسونيين (البنائين) الذي رفض الملك في النهاية التوقيع عليه، واعتبر أن روبين الملقب بروبين هود خارج على القانون وبالتالي انطلقت أسطورته.

هذا النسب يوقع المتفرج غير العارف بتاريخ الماسونيين في بعض الغموض والحيرة، خصوصا مع ما يشاع عنهم من أنهم دعاة فوضى أو أصحاب نظريات للمؤامرة ومؤازرين للصهيونية.

إلا أن هذا لا يمنع من أن السيناريو استطاع أن يرسم شخصياته بشكل شديد التميز، بل ويكفي أن روبين هود يقول عندما يتحدث عن تجربته في الحملات الصليبية يقول (عندما عدت من فلسطين) هكذا بالحرف، وهي جملة ربما تؤدي إلى مقاطعة الفيلم في إسرائيل أو احتجاج اللوبي الصهيوني، فهو لم يقل أروشليم أو أرض إسرائيل، كما يقال في الأفلام ذات النزعات الصهيونية، بل قال فلسطين، وهو ما يحسب تاريخيا وفنيا للمخرج، على الرغم من أنه كان أحد من قدموا أفلاما عن تدويل القدس "مملكة الجنة" لكنه يبدو هنا أكثر صدقا واتزانا، خصوصا أن فيلمه الأخير "جسد من الأكاذيب" اتهم السياسة الأمريكية بالتلاعب بالمنطقة العربية لصالح إسرائيل والمصالح الاقتصادية.