EN
  • تاريخ النشر: 26 فبراير, 2012

تناول قصة حب بين مسلم ومسيحية رفض فيلم مصري بمهرجان الأقصر يثير الجدل حول تجسيد الأقباط

لقطة من فيلم

لقطة من فيلم "الخروج" المثير

ملاحظات متعددة على فيلم "الخروج" لكن من حق المخرج في أن يرى فيلمه النور ويعرض على الناس وأن تراجع الرقابة المصرية موقفها في مصادرة الفيلم الممنوع عرضه حتى في المهرجانات

  • تاريخ النشر: 26 فبراير, 2012

تناول قصة حب بين مسلم ومسيحية رفض فيلم مصري بمهرجان الأقصر يثير الجدل حول تجسيد الأقباط

 

خوفًا من الغضب أو هكذا على الأقل ما اعتقدت الرقابة على المصنفات الفنية في مصر، فلقد امتنع الرقيب "سيد خطاب" عن منح الفيلم الروائي "الخروج" تصريحًا بالعرض حتى ولو كان فقط للجنة تحكيم المهرجان.. وهكذا تم سحب نسخة الفيلم من العرض في مهرجان الأقصر السينمائي في دورته الأولى، رغم أنه كان الفيلم الروائي الطويل الوحيد الذي يمثل السينما المصرية.

المؤكد أن فيلم "الخروج" الذي شهد العرض الأول له في مهرجان "دبي" السينمائي الدولي قبل أكثر من عام لا يمكن أن يمر بسهولة للعرض الجماهيري في مصر، لكن كنت أتصور أن العرض في إطار المهرجان ممكن، لكن الرقابة كانت حادة وصارمة في قرار المصادرة، وذلك خوفًا من أن يحدث ما يعكر صفو العلاقات بين المسلمين والأقباط.

هذا هو أول إخراج لهشام العيسوي الذي شارك أيضًا في كتابة السيناريو.. تناولت الأحداث عائلة مصرية تدين بالمسيحية إلى هنا والأمر يبدو عاديًّا، لكن المخرج استطاع أن يقتحم الخط الأحمر في التعامل مع الشخصية القبطية، وتغلغل أكثر في تفاصيل هذه العائلة لنرى الابنة الكبرى التي لعبت دورها "صفاء جلال" وقد صارت فتاة ليل تبيع شرفها من أجل أن تضمن حياة كريمة لابنها.. الشقيقة الصغرى الوجه الجديد "ميرهان" على علاقة غير شرعية بشاب مسلم لعب دوره الوجه الجديد "محمد رمضان" تريد الزواج منه وتهدده بأنها حامل.. زوج الأم "أحمد بدير" يلعب القمار ويستحوذ على أموال العائلة عنوة.. بالطبع لو أن هذه العائلة مسلمة فسوف يتقبلها المجتمع المصري بمسلميه وأقباطه بدون حساسية، ولكن طبقاً لكل التجارب السابقة في التعامل مع الشخصيات القبطية التي تحمل أي قدر من الإدانة الأخلاقية في الدراما سواء المسلسلات أو الأفلام فإن الغضب بل والمظاهرات داخل الكنيسة وربما أيضاً خارجها هو المصير الذي ينتظر مثل هذه الأعمال الفنية!!

تعودنا في الدراما أن نضع أوراق "السوليفان" على الشخصية المسيحية وكأننا نرفع راية مكتوباً عليها ممنوع اللمس أو الاقتراب.. الإحساس العام الذي يسيطر غالباً على صناع العمل الفني أن المتفرج لا يريد أن يرى شخصية من لحم ودم وأنه فقط يقرأ عنوانها لكنه لا يتعمق في تفاصيلها.. كان يبدو وكأن هناك اتفاقا ضمنيا على ذلك بين صناع العمل الفني والجمهور الجميع ارتاحوا إلى استبعاد الشخصية القبطية!!

المعالجات الفنية التي اقتربت من العائلة المصرية القبطية وجهت لها انتقادات مباشرة من الكنيسة الأرثوذكسية في مصر برغم أن الهدف الفكري لم يكن هو الحديث عن الديانة بقدر ما هو تناول عائلة مصرية مسلمة أو مسيحية!!.

غضبة عارمة

على سبيل التذكرة فقط فإن السنوات الأخيرة شهدت أكثر من غضبة عارمة بسبب أعمال فنية تعاملت بحساسية وهدوء مع العائلة القبطية في مصر ورغم ذلك وجهت لها انتقادات حادة منها مثلاً مسلسل "أوان الورد" الذي لعبت بطولته "سميحة أيوب" و "يسرا".. سر الغضب هو أن "سميحة" لعبت دور امرأة قبطية تزوجت مسلم ولم يقلص مساحات الغضب أن مخرج المسلسل "سمير سيف" مسيحي متدين.. لقد كان بالمسلسل فريق متعادل من المسلمين والأقباط خلف الكاميرا حتى يضمن ألا يثير حفيظة أحد طالما أن أقباطاً شاركوا في صنعه إلا أن الاحتجاجات ازدادت واضطر "البابا شنودة" إلى إقامة سحور قبل نهاية رمضان في الكاتدرائية لإنهاء هذا الاحتقان الذي اشتعل في رمضان 2001 وقت عرض المسلسل.

مسلسل "بنت من شبرا" عرض بعدها بنحو ثلاث سنوات بطولة "ليلى علوي" أثار الغضب لأن البطلة أشهرت إسلامها حتى أن التليفزيون المصري الرسمي بعد أن أعلن عن عرضه في رمضان تراجع قبل 24 ساعة فقط من بداية البث ولم يعرض المسلسل بعدها إلا في قناة خاصة، وكأن الدولة تريد أن تقول للأقباط أنها ليست مسئولة عن العرض.. مسلسل "مين اللي ما يحبش فاطمة" بطولة "شيرين سيف النصر" واجه أيضاً مساحات من الاحتجاج المسلسل قصة "أنيس منصور" وذلك لأن البطلة أيضاً أشهرت إسلامها في نهاية الأحداث.. في مسلسل "يا رجال العالم اتحدوا" الذي كتبه "عاطف بشاي" ورغم ذلك لم يخلو الأمر من غضب لأن "حسن حسني" كان يؤدي في المسلسل شخصية رجل مسيحي يريد الطلاق من زوجته ولهذا يفكر في تغيير الطائفة وليس الديانة حتى يتمكن من الحصول على الطلاق اعتبر هذا السلوك من بعض الأقباط يتنافى مع الدين!! .

أما الفيلم الذي حظي بأكبر مساحة من الغضب فهو "بحب السيما" عام 2004 إخراج "أسامة فوزي" وتأليف "هاني فوزي" وبطولة "ليلى علوي" و "محمود حميدة" كان أول فيلم يتناول عائلة مسيحية الزوج والزوجة والابن لم يتحمل قطاع عريض من الأقباط ذلك خاصة وأن الفيلم اتهم من قبل بعض المغالين بين "الأرثوذكس" بأنه يروج للمذهب "البروتستانتي".. شكلت الدولة وقتها لجنة للتصريح بالفيلم حرص آنذاك الرقيب "مدكور ثابت" على أن يشارك في عضويتها أكبر عدد من الأقباط من نقاد وكتاب ورفضت اللجنة التصريح بالفيلم بل طالب بعض أعضائها بالاستعانة برجال الكنيسة لأخذ الموافقة أمام ذلك الرفض تم تشكيل لجنة أخرى أيضا ضمت أغلبية عددية من الأقباط روعي في تشكيلها أن يكونوا أكثر مرونة في تقبل تواجد عائلة مسيحية في الدراما وبالفعل وافقت اللجنة على الفيلم بدون محذوفات.

الحقيقة هي أن المشاهد المصري وأيضاً العربي تعود على رؤية الشخصيات المصرية في الأغلب مسلمة، وإذا قدمت شخصية قبطية فإنها غالباً إيجابية مثلاً "مرقص أفندي" في "أم العروسة" قبل نحو 45 عاماً، هذا الدور الذي أداه "منسي فهمي" كان عليه أن يتستر على "عماد حمدي" وينقذه من الفضيحة حتى لا يعرف أحد أنه اختلس من الخزينة للإنفاق على فرح ابنته.

شخصيات درامية قبطية

 

 آخر شخصية محورية قبطية قدمت في فيلم "حسن ومرقص" 2008 التي أداها "عادل إمام" حيث لعب دور أستاذ علم اللاهوت وحرص "عادل إمام" على أن يلتقي "البابا شنودة" ويطلعه على السيناريو قبل الشروع في تصوير الفيلم وبالفعل تم إجراء بعض التعديلات الدرامية ليصبح البطل أستاذاً في علم اللاهوت بدلاً من كونه في السيناريو الأصلي "قسيساً".. وبالطبع فإن موافقة البابا لعبت دوراً في تقبل عدد كبير من الأقباط لشخصية "مرقص" كما أن السيناريو الذي كتبه "يوسف معاطي" قدم إطاراً هندسياً صارماً ليضمن الحياد الدرامي التام بين المسلمين والأقباط في كل المواقف وتلك "السيمترية" أى التماثل الشديد في المواقف خصمت الكثير من قيمة الفيلم أصبحنا بصدد معادلة حسابية وليس عملاً فنياً!!

هذه المرة مع فيلم "الخروج" لا توجد هذه المعادلة برغم أن المخرج ربما بعد نصيحة من أحد العاملين بالفيلم قدم علاقة هامشية عاطفية موازية بين قبطي ومسلمة.. مأزق هذه الأفلام هو أن المتفرج لم يألف رؤية شخصيات قبطية تمارس أي قدر من الانحراف طوال تاريخ الدراما في مصر، ولهذا تنتقل الحساسية التي نراها في الشارع إلى دار العرض وبدلاً من أن يشاهد الجمهور شريطاً سينمائياً به عائلة مصرية بعيداً عن ديانتها سوف يراها عائلة قبطية، بل ويعتبرها البعض في هذه الحالة تحمل إدانة شخصية وليست درامية، نكتشف أن بين المثقفين الأقباط هناك عدداً منهم يرفض أن يرى شخصية قبطية منحرفة ورغم ذلك فإن الحل لا يمكن أن يصبح هو المنع الرقابي ولكن أن يألف الجمهور مشاهدة العمل الفني ولا يرى شخصيات تعبر عن أديان بقدر ما يراها تحمل هموم وأحلام وإحباطات عائلة مصرية!!

يجب أن نعترف بأن ما نراه في الدراما من حساسية تتحمل وزره الحياة الفنية والثقافية المصرية لأنه كلما طال الابتعاد والغياب زادت الحساسية ولكن على صناع الأعمال الفنية أن يواصلوا الطريق ويمنحوا الشخصيات القبطية حضورها الدرامي..

لدى ملاحظات متعددة على فيلم "الخروج" ولكني أدافع عن حق المخرج في أن يرى فيلمه النور ويعرض على الناس وأن تراجع الرقابة المصرية موقفها في مصادرة الفيلم الممنوع عرضه حتى في المهرجانات وهي سابقة خطيرة لم تحدث من قبل توحي مع الأسف بأن المصادرة سوف تصبح سيفاً باتراً في يد النظام!!