EN
  • تاريخ النشر: 26 يوليو, 2010

الفيلم يتساءل: ماذا لو كانت حياتنا حلما طويلا؟ دي كابريو يسرق أسرار العقول في "Inception"

"بداية" يناقش أزمة الإرادة الإنسانية اليقين لدى البشر

"بداية" يناقش أزمة الإرادة الإنسانية اليقين لدى البشر

بفيلمه الجديد "بداية Inception"، استطاع النجم الأمريكي ليوناردو دي كابريو إثبات أن الموهبة الحقيقية تتطور بفعل الوقت، وتراكم الخبرات والتجارب، حتى إنه تمكن -خلال سنوات قليلة- من التخلص تماما من صورة الشاب الجميل التي رسخت في وجدان مراهقي العالم بعد فيلم "تيتانيكوبدأ في تقديم أداور تناسب مراحله العمرية والشحنات الانفعالية التي تفجرها بداخله طبيعة الأدوار الصعبة والمركبة التي يختارها لنفسه، ليصل إلى محطته الأخيرة "Inception"، متسائلا.. كيف يمكن أن تُنشئ فكرة في عقل شخص ما أو توحي بها إليه؟

  • تاريخ النشر: 26 يوليو, 2010

الفيلم يتساءل: ماذا لو كانت حياتنا حلما طويلا؟ دي كابريو يسرق أسرار العقول في "Inception"

بفيلمه الجديد "بداية Inception"، استطاع النجم الأمريكي ليوناردو دي كابريو إثبات أن الموهبة الحقيقية تتطور بفعل الوقت، وتراكم الخبرات والتجارب، حتى إنه تمكن -خلال سنوات قليلة- من التخلص تماما من صورة الشاب الجميل التي رسخت في وجدان مراهقي العالم بعد فيلم "تيتانيكوبدأ في تقديم أداور تناسب مراحله العمرية والشحنات الانفعالية التي تفجرها بداخله طبيعة الأدوار الصعبة والمركبة التي يختارها لنفسه، ليصل إلى محطته الأخيرة "Inception"، متسائلا.. كيف يمكن أن تُنشئ فكرة في عقل شخص ما أو توحي بها إليه؟

في فيلمه السابق "الجزيرة المعزولةقدّم دي كابريو مع مخرجه المفضل مارتن سكورسيزي دراما نفسيه تتشابه في عنصرها مع فيلمه الجديد "البداية "من ناحية بناء التكوين النفسي لرجل فقد زوجته في الواقع، فتحولت إلى فكرة تسكن عقله الباطن، وتلح عليه، وتتجسد له طوال الوقت.

والفيلمان يدوران في المساحة الفاصلة بين الحقيقة والخيال والعقل الباطن والذاكرة.. ولكن تجربة "البداية" تبدو أكثر استغرقا في عالم الأحلام.. حتى إن الفيلم بأكمله يدور داخل ثلاثة أحلام؛ أحدهما في داخل الآخر! كأنها طبقات العقل الباطن.. ذلك العالم المجهول الذي لا حدود للخيال معه، والذي يتيح لصناع الأفلام الانطلاق إلى أقصى الشطحات الفنية.

فنحن أمام مجموعة من الأفراد تشكل تكوينا عصبيا ولديه المقدرة التكنولوجية على أن يخترق أحلام الآخرين، وبالتالي يتمكن من النفاذ إلى أعمق أسرار العقل.. هذه المجموعة نراها في البداية تحاول اختراق عقل رجل أسيوي من أجل سرقة بعض الأسرار.

لكن المحاولة تفشل نتيجة تدخل زوجة الشخصية الرئيسة "كوب ديكابريو" في هذه المهمة التي تدور في رأس الشخص الأسيوي.. ونكتشف أن هذا التدخل نتيجة وجود الزوجة كفكرة أو كذكرى لا تنمحي في اللاوعي والذاكرة الخاصة بشخصية كوب.. وبالتالي يمكنها النفاذ إلى أحلامه وأفكاره في أي وقت، ودون سيطرة منه عليها.

الترجمة الحرفية للعنوان تعني الاستفتاح أو البدء.. ولكن مغزى العنوان يتخذ دلالة اشتقاقية من معنى الكلمة، وليس من لفظها اللغوي؛ أي أن ترجمته دراميا في الأحداث تعني النشوء، أي كيف يمكن أن تُنشئ فكرة في عقل شخص ما أو توحي بها إليه، وهي العملية التي يكلف بها نفس الرجل الأسيوي مجموعة كوب من أجل زرع فكرة في رأس أحد منافسيه في سوق شركات الطاقة.

ومن هنا تصبح حبكة الفيلم الرئيسية هي كيفية دخول مجموعة كوب إلى عقل الهدف وزرع الفكرة دون أن يشعر.. لكن يستيقظ بعدها فيجدها تلح على رأسه، وتسيطر على عقله.

وقد استطاع كريستوفر نولان (مخرج وكاتب الفيلم ومنتجه) أن يسيطر بحرفية كاملة على أدواته بالدرجة التي جعلته يجد حلولا بصرية ومعادلات مادية لعالم العقل الباطن والأحلام.. دون أن يضطر لاستخدام مؤثرات بصرية أو جرافيك إيهامي ولكن من خلال خدع تبدو واقعية جدا بالنسبة لمنطق الفيلم البصري.

فعالم الأحلام عالم يمكن للمرء أن يتخيل فيه أي شيء، وبالتالي يمكن أن تنقلب المدن رأسا على عقب أو تنشأ مدن أخرى بأكملها.. أو يصبح العقل الباطن شاطئا محيطا متسعا تطل عليه مدينة خيالية.. وكل هذا داخل رأس شخص واحد.

من المعروف أن عالم الأحلام هو المادة الأثيرة لعالم النفس سجموند فرويد، خاصة فيما يتعلق بتأويل الأحلام ودلالاتها النفسية، وهو ما يستفيد منه المخرج في مسألة ذكرى الزوجة التي تلح على العقل الباطن للبطل.

ولكن يبدو التأثر الأكبر بفلسفة الشك لديكارت القائمة على أن الإنسان وهو يحلم يعتقد أن الحلم هو الحياة الواقعية، وعندما يستيقظ يكتشف أنه كان يحلم فماذا لو كانت حياتنا حلما طويلا ربما نستيقظ منه ذات يوم؟ وهي فكرة تحولت لتيمة درامية شهيرة قدمت من قبل في أفلام مثل فانيليا سكاي وملحمة ماتريكس.

ولكن نولان يعيد صياغة الفكرة بشكل أكثر عمقا وفلسفة، وأيضا بتناول جديد.. فهو مثلا لم يركز على طبيعة التكنولوجيا التي تتيح لشخصيات فيلمه التوغل في أحلام الآخرين أو حتى في أحلامهم.. وإنما استغرق فيما بعد ذلك خصوصا في مسألة الزمن؛ إذ من المعروف أن زمن الأحلام أطول نسبيا من الزمن الواقعي.

وبالتالي يصبح لكل حلم من الأحلام الثلاثة المتداخلة في الفيلم زمنه الخاص.. وبالتالي حقق نولان فكرة تفتيت الزمن الدرامي بشكل رائع ومركب.. وساعده في ذلك إيقاع المونتاج الذي جعل لكل حلم زمنه الخاص.. سواء من خلال الحركة البطيئة (سلوموشن) أم الحركة العادية، ليصبح لدينا ثلاثة أزمنة داخل نفس الفيلم.. وهو تركيب معقد يحتاج إلى متفرج شديد اليقظة والتركيز في فيلم قائم أساسا على حبكة علمية.

مشكلة الفيلم أنه يستنفر الطاقة الذهنية لدى المتلقي، بالإضافة إلى احتكاكه الشديد بالمشاعر الوجدانية.. خاصة مع متابعة أزمة البطل المتمثلة في ذكرى زوجته التي تسكن عقله الباطن وتطارده في أحلامه وأحلام الآخرين التي يخترقها.

ونحن نكتشف أن البطل هو السبب في انتحار زوجته عندما قرر أن يجرب معها زرع فكرة أو الإيحاء بها، وبالتالي استيقظت والفكرة تسيطر عليها، وهي الفكرة الرئيسية للفيلم النابعة من فلسفة ديكارت مباشرة.. ماذا لو أن حياتنا مجرد حلم طويل؟ وكيف يمكن أن نستيقظ منه أو نتأكد أننا في الواقع ولسنا نياما؟

ومن هنا يصبح لدى البطل عقدة ذنب تجاه الزوجة، وتتجسد تلك العقدة في وجود الزوجة كفكرة في عقله الباطن يحاول أن يتخلص منها.

والفيلم يناقش في جزء منه الإرادة الإنسانية وأزمة اليقين لدى البشر.. وهي كلها مسائل شديدة التعقيد تحتاج إلى مجهود عقلي من المفترج، خصوصا مع متابعته لثلاثة أزمنة مختلفة كما قلنا.. وتراكم شديد لتفاصيل لها علاقة بعالم الأحلام يجب أن يذاكرها المشاهد جيدا كي تمنحه كل مفاتيح فهم تطور الأحداث، ونمو الحبكة.

ومن هنا تتحول نقاط قوة الفيلم المبني بشكل علمي إلى نقاط ضعف؛ إذ إن شريحة كبيرة من المتفرجين تضيق بهذا الإجهاد الذهني والتركيز العقلي الشديد.. خصوصا مع الانفعال الشعوري الذي تولده الأحداث.. وبالتالي يجب أن يستعد المشاهد لوجبة عقلية ونفسية لن يهضمها بسهولة أو من مجرد التلقي الأول.

وفيلم "البداية" شأنه شأن كل الأفلام العظيمة يجبرك على إعادة مشاهدته لاكتشاف آفاق فكرية، وشعورية جديدة، وأيضا من أجل فهم جزء جديد من الحبكة المركبة ذات الصبغة العلمية المبهرة.