EN
  • تاريخ النشر: 12 أبريل, 2010

مدينة بفيلم وفيلم بمدينة دار الحي.. دبي تكشف خفايا أهلها

مخرج الفيلم الإماراتي علي مصطفى ومنتجه المنفذ

مخرج الفيلم الإماراتي علي مصطفى ومنتجه المنفذ

عقب عرضه الدولي الثاني في افتتاح الدورة الثانية بمهرجان الخليج السينمائي بدبي الخميس 8 إبريل/نيسان 2010؛ أثار فيلم "دار الحي" الإماراتي كثيرا من التساؤلات حول صناعة السينما في الخليج، وعن الشباب السينمائيين الخليجيين الذين يحاولون تقديم أنفسهم من خلال أعمال طموحة، على ما يشوبها من "تشوش" البدايات، والتأثر الواضح بالأشكال السينمائية العالمية وخاصة الشكل الأمريكي.

  • تاريخ النشر: 12 أبريل, 2010

مدينة بفيلم وفيلم بمدينة دار الحي.. دبي تكشف خفايا أهلها

عقب عرضه الدولي الثاني في افتتاح الدورة الثانية بمهرجان الخليج السينمائي بدبي الخميس 8 إبريل/نيسان 2010؛ أثار فيلم "دار الحي" الإماراتي كثيرا من التساؤلات حول صناعة السينما في الخليج، وعن الشباب السينمائيين الخليجيين الذين يحاولون تقديم أنفسهم من خلال أعمال طموحة، على ما يشوبها من "تشوش" البدايات، والتأثر الواضح بالأشكال السينمائية العالمية وخاصة الشكل الأمريكي.

والسؤال: هل نجح الفيلم في توصيل رسالته، وتقديم مضمون جيد؟

في البداية يبدو "دار الحي" من عنوانه المستمد من اللهجة المحلية الإماراتية محاولة لصناعة فيلم خليجي عن مدينة دبي، والترجمة الإنجليزية للعنوان هي "مدينة الحياةوالعنوان كله جزء من عملية التكريس لتلقي الفيلم على أكثر من مستوى.

مستوى درامي تقليدي من خلال شخصيات عدة تعيش في مدينة واحدة؛ وتتقاطع مصائرها أو تتباعد، وحكاية كل شخصية، وخطها الحياتي، ومستوى التأويل الإنساني، أي محاولة الخروج من الخاص إلى العام كعادة الدراما أو الفن الأصيل.

ولكن في النهاية تبدو التجربة أشبه بتحويل مدينة دبي إلى فيلم سينمائي من خلال وجهة نظر أحد مواطنيها؛ فدبي مدينة تحتمل التحويل والتأويل داخل عشرات الأفلام السينمائية، سواء على مستوى تجربة صياغتها كمدينة حديثة، أم على مستوى كم الجنسيات التي تعمل وتعيش فيها.

وهو ما حاول الفيلم أن يستغله من خلال دراما بانورامية تتعرض لثلاث شخصيات أساسية؛ هي راشد الشاب الإماراتي ابن العائلة الغنية، وباسو سائق التاكسي الهندي الذي يريد أن يصبح فنانا، وناتالي المضيفة الجوية التي تعمل في الخطوط الإماراتية.

الشخصيات الثلاث الأساسية في الفيلم تتمحور حول كل منها قصة متشابكة الخيوط؛ فراشد يتورط نتيجة صداقته مع خلفان الشاب ذي المستوى المادي المتوسط في العديد من المشكلات نتيجة ضعف شخصيته، وحبه، واستجابته لصديقه خلفان الذي يمثل نموذجا طائشا ومتهورا من الشباب، وهو نموذج تقليدي، ومعظم نماذج الفيلم تقليدية.

هذا التورط يؤدي به في النهاية إلى أن يفقد صديقه، ويتلقى درسا قاسيا جدا في الحياة.

وإن كان المخرج مصطفى علي، وهو نفسه كاتب مشارك في السيناريو؛ يقدمه بشكل مباشر وتربوي، أشبه بالنصائح الأخلاقية، وخصوصا عندما يأتي على لسان والد راشد.

أما باسو السائق الهندي الذي يشبه أحد نجوم السينما الهندية فإنه يتعرض طوال الوقت لمواقف ميلودرامية؛ بعضها مفتعل جدا مثل ذهابه إلى أحد مواقع التصوير لتقديم نفسه كوجه جديد، فإذا به يُفاجأ بأن العاملين يسخرون منه؛ لأنه مجرد سائق تاكسي، ويتسبب شبهه بالنجم الهندي في السخرية منه، لكنه لا ينجح في النهاية إلا عندما يحدث له تشوه في الملامح، بينما تظهر موهبته في التمثيل من خلال تجربة أداء على أحد المسارح.

وتمثل قصة ناتالي المضيفة الجوية نموذجا نمطيا جدا لقصة امرأة جميلة تعيش في مدينة غريبة؛ تلتقي فيها برجل غني وسيم ساحر، وتتورط معه في علاقة تؤدي إلى حمل، لكنه يتخلى عنها في النهاية، وتكتشف أنها تقف بمفردها في الحياة بلا حبيب، ولا صديق، وحتى صديقتها المقربة أوليغا تكتشف أنها تخونها مع حبيبها، بل وتتعمد أن تفسد عليها حياتها بتدبير سرقة مهنية لها.

قدم صناع الفيلم حالة بصرية جيدة، سواء على مستوى زوايا الكاميرا، أو إيقاع المونتاج، أو حركة الشخصيات داخل الكادر، وعلى الرغم من طول مدة الفيلم؛ إلا أن المشكلة الأساسية هي أن كل ما تم تقديمه هو في النهاية محصلة تأثر شديد بأشكال السينما العالمية، وخصوصا الشكل الأمريكي، وهو ما يجعلنا نتساءل: ما الهدف من وراء صناعة مثل هذا الفيلم؟ وأين الخصوصية التي يمكن أن نقول إنها تعطي أي فيلم شخصية صانعيه؟.

بمعنى: أين هي ملامح السينما الخليجية الوليدة أو التي تتشكل من خلال مثل هذه التجارب؟.

للأسف لا يوجد ملمح أو عنصر بالفيلم يمكن أن يجيب لنا عن هذا التساؤل. فتأثر صناع الفيلم بأفلام وتجارب أخرى كان طاغيا للدرجة التي يمكن أن نتخيل أن هذا الفيلم يمكن أن يدور في أي مدينة أخرى تحتوي على جنسيات متعددة، وليس فقط دبي!.

قد تكون هذه ميزة من وجهة نظر البعض، ولكن أين خصوصية المدينة؟ هل هي تصوير الشوارع وناطحات السحاب والعربات الفارهة؟ ثم لماذا تمت أمركة شريط الصوت بالفيلم؟.

يلاحظ أيضا أن كل الأغنيات التي تم من خلالها التعليق على الأحداث وانفعالات الشخصيات وهواجسها؛ كلها أغنيات أمريكية، ولم نسمع أغنية عربية واحدة.

وفي مشهد تبليغ راشد لجدة خلفان "صديقه" نبأ وفاته انطلقت أغنية أجنبية دمرت الحالة الدرامية، وجعلتها مسخا لا يليق باللحظة، ناهيك عن كم الصدف غير المبررة في الأحداث؛ كأن كتاب السيناريو لا يستطيعون تحديد الفرق بين الخط القدري والمصادفة.

صحيح أن صغر مساحة المدينة يمكن أن يخلق العديد من الصدف، لكن لا يمكن أن تصبح خطوط الشخصيات محركها الصدفة فقط.

فبالصدفة يركب شخص هندي مهم مع السائق الهندي فيحول طريقه إلى الفن والتمثيل، وبالصدفة تدخل ناتالي إلى إحدى مدارس الباليه فتلتقي برجل يوصل ابنته وتحبه.

وبالصدفة يكون الراكب الذي اتهمها بالسرقة هو نفسه صديق الرجل الذي أحبته، ثم بالصدفة تكتشف أن صديقتها هي التي سرقت الرجل ليتم اتهام ناتالي.

وبالصدفة يرى خلفان الشاب الذي تشاجر معه فيضربه لتصبح هذه الإهانة سبب موته في النهاية. بل إن الحادث الأخير الذي تتقاطع فيه مصائر الشخصيات يذكرنا بالحادث في الفيلم المكسيكي الرائع "الحب كلبة" أو "أمورس بيروس".

لكننا في النهاية لا نريد أن نحاكم الفيلم؛ بل نتساءل فقط: إلى من يتوجه؟ هل إلى المشاهد الخليجي الذي يريد أن يرى مدينته ولهجته في فيلم سينمائي أيا كان مستواه أو مصدر أفكاره؟ أم إلى الساحة العالمية التي يريد السينمائي الخليجي أن يتواجد عليها بصناعة سينما جاءت متأخرة كثيرا، ولا يزال أمامها الكثير لتتعلمه، وتكتشفه؟.

وهل الشكل الأمريكي والتأثر الواضح بأفلام عالمية وبأساليب معروفة يمكن أن يخلق مصداقية، أو يشعر بالأصالة على الساحة الدولية أو حتى العربية!.

لا أحد ضد التجربة، ولا أحد ضد أن تكون هناك سينما خليجية ناجحة، لكن أليس من الأفضل أن نبدأ من حيث انتهى الآخرون؟.

أليس من الأصالة أن أنظر إلى حقيقة مجتمعي ومدينتي والشخصيات التي تحيط بي بدلا من صوغ نماذج لا تملك خصوصية أو سمات فارقة تجعلها تستحق الظهور على الشاشة من خلال عمل يحمل "جيناتي" سواء كانت خليجية أو غير ذلك؟!.