EN
  • تاريخ النشر: 02 أكتوبر, 2011

كل دراما خالية من الصراع تقابل بالتثاؤب حين ينزع قنـاع الحضـارة ويحل «العمى الأبيض»

fan article

الكاتب يتحدث عن المخرج البرازيلي فرناندو ميراليس وفيلمه الجديد «360» الذي سيفتتح به مهرجان لندن السينمائي هذا الشهر



من اللامكان إلى أمكنة كثيرة، ومن «العمى» إلى إبصار أنوار كثيرة مضاءة بالحب، ولعل البداية بتوصيفات كهذه من دون مقدمات، لها أن تدفعنا للقول أولاً أن نتكلم بداية عن المخرج البرازيلي فرناندو ميراليس وجديده «360» الذي سيفتتح به مهرجان لندن السينمائي هذا الشهر، والذي ينقل هذا المخرج إلى ما له أن يكون إبحاراً في الحب، المتعدد الأوجه والأمكنة والأعراق، عبر فيلم لا يكتفي بالأمكنة الكثيرة التي يتحرك في مجالها، بل بعدد الشخصيات التي يراد من خلالها تسليط أكبر قدر ممكن من الضوء على تنوع وتعدد الحب الذي يقود إلى تنويعات كثيرة أخرى ذات أبعاد اجتماعية ونفسية واقتصادية وغيرها.
آخر فيلم كان لميراليس قبل «360» هو ٌindness «عمى» المأخوذ عن رواية خوسيه ساراماجوا، صاحب نوبل للآداب ،1998 والذي كانت مشاهدته بحثاً مضنياً عن الخيط الفاصل بين الخيال العلمي الهوليوودي الذي كان يتخوف منه ساراماجوا أن تتحول روايته إليه حين تحويلها إلى فيلم، والخيال ذي المجازات الذي حملته الرواية، ولعل الأمر كان ناجحاً بالنسبة لميراليس وما قدمه ونحن نرى العالم وقد تحول إلى البياض، فكما هو معروف أن شخصيات «عمى» لا تصاب بالعمى وترى كل شيء أسود بل تراه أبيض، ولعل مشاهدة فيلم ميراليس أصابنا بعدوى هذا العمى من الأبيض الذي هيمن عليه، ونحن نرى ما تراه الشخصيات من بياض.
الكاميرا الذاتية تتكلم هنا، ولعل هذا الفعل السينمائي كان ومازال آسراً، بمعنى أن تتولى الكاميرا نقل العالم الذي أمامنا كما تراه الشخصية، غير تلك الكاميرا التي تعرف بالموضوعية والتي تصور ما يجري أمامنا من وجهة نظر المخرج، ولعل ميراليس وفي خصوص هذا «العمى» يضعنا أمام خيال ساراماجوا الذي قال لنا إن هذا العمى الذي سيحل بالبشرية سيكون بالأبيض، ولنكون أيضاً حيال ما يمكن أن تكون عليه البشرية ما لم تكن تبصر، ولعل ذلك هو محور ما قدمه الفيلم، دون أن تكون الإثارة صراعاً مع قوى شريرة، بقدر ما يكون الأمر قدرة هؤلاء البشر على أن يتأقلموا مع هذه الحياة، ومعها تلك المناطق المعزولة التي يوضعون فيها بحيث يمسي الصراع عودة للإنسانية إلى بدائيتها، فتحضر على الفور الملكية، ومعها الصراع على البقاء وهيمنة الأقوى، وعلى شيء يضع البشر الذين أودعوا تلك المناطق العازلة في طبقات، كما لو أننا أمام الخطوات الأولى للحضارة.
طبعا أفترض في ما تقدم مشاهدة القارئ للفيلم، حيث الحديث عن تمرد العميان سيكون بقيادة تلك المرأة الوحيدة التي بقيت مبصرة ولم تصب بوباء «العمى الأبيض» أي الشخصية التي جسدتها جوليان مور، وقد مضت إلى المنطقة العازلة لتكون إلى جانب زوجها، ولعل ذلك يحيلنا إلى أفلام كثيرة لها أن تمضي خلف النوازع البدائية للإنسان، مثلما هو الحال فيلم لم يمض على عرضه في دور العرض المحلية أكثر من شهرين، وقد كان بعنوان The Experiment « التجربة»، الذي يضع مجموعة من الرجال في تجربة تقتضي حبسهم في ما يشبه السجن وتقسيمهم إلى سجناء وسجانين ولينتهي الأمر باضطهاد السجانين للسجناء وتمرد السجناء وهم يعرفون جميعاً أن الأمر ليس أكثر من تجربة وأن كل ما يفعلونه تتم مراقبته بواسطة كاميرات مزروعة في كل مكان. ما تقدم يعيدني مباشرة إلى رائعة ستانلي كوبريك «أوديسة الفضاء: 2001»، والذي يبدأ من القرود المعادل للإنسان البدائي، حيث سنقع على مجموعة منهم يعيشون حول بركة صغيرة راكدة من الماء، وسرعان ما تخرج عليهم قرود أقوى وتطردهم منها، ومن ينسى تلك العظمة التي ترمى عالياً لتتحول إلى مركبة فضائية ولنمضي بعد ذلك مع الاكتشافات الفضائية وصولاً إلى رحلة المشتري، حيث يكون التمرد من شكل آخر، إنه تمرد الآلة على الإنسان، إنه ذلك الكمبيوتر فائق الذكاء الذي يقتل رواد الفضاء، ولينجو من ذلك دايف الذي يعود وينتقم من الكمبيوتر الذي يغني أغنيته الأخيرة بينما ديف يضع حداً لحياته.
الكلمة للصراع دائماً، ضع البشر في ظروف بدائية وسيبدؤون بالتصارع وستعود سيرة البشرية الأولى من جديد، ذلك أنها حاضرة يومياً في حياتنا العادية، لكن تحت أقنعة ومسميات كثيرة لا تجعل هذا الصراع يبدو فجاً وبدائياً كما سيبدو عليه لو تمت إعادة الزمن أو تشكيل ظروف خالية من غطاء الحضارة، ولعل أهمية الصراع في الدراما متأتية من هنا، وربما بما يدفع للقول، إننا بِنًى صراعية، لنا أن نهتم فقط بما يحمل هذا الصراع، ولعل خلو أية مادة درامية من صراع سيفقدها صفة الدرامية وسيدفع البشر إلى التثاؤب والملل.
* نقلا عن الإمارات اليوم