EN
  • تاريخ النشر: 15 فبراير, 2009

رؤية لفيلم Slumdog Millionaire المليونير المتشرد.. صندوق الدنيا يفتح مجانا للفقراء

لقطة من" المليونير المتشرد" الذي يبحث العلاقة بين الحب والمال

لقطة من" المليونير المتشرد" الذي يبحث العلاقة بين الحب والمال

هل المال والحب هما نقطتا ضعف البشر أم قوتهم؟.. تساؤل مؤلم وغريب اجتهد في الإجابة عليه الشاب الهندي الفقير جمال بطل الفيلم البريطاني الأمريكي "المليونير المتشرد /Slumdog Millionaire" 2008، من إخراج الإنجليزي داني بويل، وبمشاركة الهندي لافلين تاندان.

هل المال والحب هما نقطتا ضعف البشر أم قوتهم؟.. تساؤل مؤلم وغريب اجتهد في الإجابة عليه الشاب الهندي الفقير جمال بطل الفيلم البريطاني الأمريكي "المليونير المتشرد /Slumdog Millionaire" 2008، من إخراج الإنجليزي داني بويل، وبمشاركة الهندي لافلين تاندان.

استلهم السيناريست البريطاني سيمون بيفوي أحداثه عن رواية "سؤال وجواب / Q and A" 2005 للديبلوماسي الهندي فيكاس سواراب، وكانت روايته الأولى قد نالت نجاحا ساحقا، وترجمت إلى ست وثلاثين لغة؛ لتتحول إلى مسرحية إذاعية، وكتاب مسموع، وعرض مسرحي موسيقي، ثم إلى فيلمنا السينمائي الحالي، حديث العالم الآن.

صدمنا الفيلم ببداية قاسية مربكة، وبرجل الشرطة "الديناصور" الضخم (سواراب شوكلا) إذ ينفث دخان سيجارته في وجه فريسته؛ عامل الشاي الشاب الهندي الوحيد جمال (ديف باتل) في قسم الشرطة!.

واعتبر مونتاج كريس ديكنز كل صفعة حكومية تهوي على وجه الشاب المستسلم إشارةً بصرية صوتية تنقلنا إلى جلوس الشاب جمال وحيدا أيضا، لكن هذه المرة أمام بريم (انيل كابور) مقدم البرنامج الجماهيري الشهير "من يريد أن يكون مليونيرا؟على أمل الفوز بعشرين مليون روبية.

تتوالى الصفعات وتتوالى إجاباته الصحيحة، حتى اعتقدنا للحظات أن جمال مقسوم نصفين؛ بين شحوب الظلمة أثناء التعذيب، وفزع الإضاءة الهائلة في "الاستوديولم تترك كاميرات أنتوني دود مانتل البطل لحظة واحدة.

إنه يصمت ويترك عينه الحائرة، وملامحه المهمومة، وجسده المنهك، يجيبون نيابة عنه، مع بعض خيالات عقله التي تنعكس عليه، لكن لابد أن يكون لهذا الصمت نهاية.

هنا جاء دور مفتش البوليس (عرفان خان) الذي زاد في تعذيبه، وبدأ استجوابه في مكتبه، لتبدأ رحلة فلاش باك سردية وبصرية مجسمة منظمة كثيرا، حيث يستعرض المحقق مع البطل على خلفية تسجيل تليفزيوني كل سؤال وجواب؛ ليعرف مصدر معلومات هذا العبقري ويتأكد من أنه لم يغش أحدا..هنا انفتح باب صندوق الدنيا داخل المجتمع الهندي بالمجان.. فكل سؤال وإجابته يحملان ذكرى تعيسة داخل جمال، نموذج المواطن الهندي القادم من الطبقة المعدمة المهمشة تحت الأرض.

لنبدأ من البداية مع جمال الصغير (عايش ماهيش خيديكاروشقيقه سليم (أزهار الدين محمد) الأكبر قليلا، ومع كل ذكرى يرسم جمال خطا في خريطة حياته والمجتمع الهندي ككل، محملا بالدماء، والمعاناة، والمهانة، والنقد السياسي الاجتماعي الاقتصادي الإنساني اللاذع.

تتداعى الذكريات المرتبطة بصراعات عرقية دينية، مثلا عندما أباد الهندوس المسلمين العزل دون ذنب، ومنهم والدة جمال (سانشيتا شوداري)؛ لينطلق الشقيقان في الشوارع، ويصادفا الطفلة الوحيدة لاتيكا (روبيانا علي)؛ لتبدأ قصة الحب الجميلة بين جمال ولاتيكا لتمثل عصب هذا الفيلم.

للوهلة الأولى يبدو أن الفيلم يقوم على حياة الصمت والسكون؛ لأنه يتناول حياة ثلاثة تافهين، لا تحفل حياتهم بحدث أو صوت أو حركة. لكن الخدعة هنا هي أن هذا الصمت مجرد غلالة تخفي موجات متوالية من الحركة، تنبع من تفاصيل رفيعة جدا في حياة هؤلاء المنسيين.. هناك حركة مكانية ذهبت بنا من بومباي إلى مدينة تشوباتي إلى مومباي خلف الثلاثة، وحركة زمنية تنقلنا من مرحلة الطفولة إلى بدايات المراهقة أولا؛ لنرى كيف عاد جمال (تاناى شيدا) مع سليم (أشوتوش لوبو جاجيوالاللبحث عن لاتيكا التي فقدت أثناء هروبهم من مامان (أنكور فيكال) تاجر الأطفال والأعراض، ليجدها الآن لاتيكا (تانفي جانيش) أو تشيري الغانية.

مع بلوغنا مرحلة الكبار الحالية تبلورت شخصية سليم (مادور ميتالبعد اغتصابه لاتيكا في الماضي القريب، وطبيعي أن يعمل الآن مساعدا لرجل العصابات جافيد (ماهيش مانجريكارليرغم لاتيكا (فريدا بنتو) كالعادة على مرافقة رئيسه. لم يكن سليم سيئا؛ بل يائسا، لم يستثمر خبراته الحزينة ولم يتحملها، فقرر أن يصبح جزءا منها ليجاريها، بعكس جمال الذي حوّل كل شيء في حياته إلى طاقة إيجابية، بدليل أن كل إجاباته التي تكسبه الآلاف قادمة من ذكريات مخيفة.

تفاوت طبقي، جرائم متنوعة، تعالي الإعلام، بطش السلطة، خلل عائلي على مستوى الأفراد والدولة.. كل هذا يجعلنا نكتشف أن رحلة الفلاش باك إلى الخلف وهمٌ كبير، وأن أدوات الحركة بالسير والعدو والقفز والقطارات والسيارات، لافتات ظاهرية لحركة بشر على لوحات الحائط، مع أنهم لا يتحركون من داخلهم، وسيظل الماضي والحاضر والمستقبل قطعة قماش واحدة ميئوس منها، لولا ظهور مواطنين مثل جمال الذي كافح وفاز بالملايين من أجل حبيبته، التي تعوضه عن والدته وعن وطنه الأم.

تعامل المنتجون بذكاء مع "المليونير المتشرد" عندما استعانوا بمخرج هندي معاون، فبدت الصورة واقعية ماهرة قبضت على روح المجتمع وأنفاس المدينة وجوهر الشعب.

منحت موسيقى أ. ر. رحمن تداعيات الذكريات المبعثرة، قدرا من الثبات والخصوصية اللحنية التي تتعدى كل القبح، وتتعامل مع مواطن الجمال والنورانية داخل المجتمع الهندي والمواطن الحبيب المجهول.

لم يكن السؤال الأخير عن الاسم ثالث الفرسان الثلاثة قمة لحظة التشويق فقط، بل دلالة على الحب وقيمة الذكريات مع الشقيق والحبيبة، وتأكيدا لمغزى شعار الفرسان الثلاثة "الكل في واحد"!