EN
  • تاريخ النشر: 28 سبتمبر, 2011

المسافر رحلة شك عبر تاريخ المجتمع المصري

fan article

fan article

فيلم المسافر كأول فيلم من إنتاج وزارة الثقافة المصرية منذ 40 عاما يتم عرضه بمصر بعد إفراج الرقابة عنه

بعد طيلة انتظار طول عرض فيلم‏ ( المسافر‏)‏ وكان المنع أو التعطيل لمدة عامين لأسباب منها السياسي أو الرقابي إلا أنه عرض في مصر بعدما شاهده الآلاف بكل أنحاء العالم‏..‏
الفيلم أول إنتاج لوزارة الثقافة بعد توقف أربعين عاما.. وهو من تأليف وإخراج أحمد ماهر.. وبطولة عمر الشريف وعمرو واكد وسيرين عبد النور وخالد النبوي وشريف رمزي وبسمة ومحمد شومان ودرة.. وأحداثه تدور عبر رحلة( حسن) بطل الفيلم في ثلاث مدن هي( بورسعيد والإسكندرية والقاهرة) وفي أزمنة تم اختيارها بعناية شديدة وهي أعوام(48 ـ73 ـ2001) وهي تواريخ لها دلالات سياسية.. فهي لحظات اختبار البطولة بالتاريخ العربي وهو بالضبط ما ينقص بطل الفيلم الضعيف الجبان الذي لا يتمتع بمواصفات بطل الأربعينات علي المستوي الثقافي أو السياسي، تدفعه الأقدار للقاء( نورا) سيرين عبد النور بديلا عن حب فترة مراهقتها( فؤاد) عمرو واكد.. تدفع نورا بالعلاقة إلى الحد الخطير الذي ينتج علاقة جنسية مرتبكة ـ وهو المشهد الذي أعترضت عليه الرقابة ـ تحدث العلاقة قبل وصول عشيقها الأصلي فؤاد الذي جاء للزواج بها ـ تدور الأحداث في أجواء أسطورية مبهرة يتألق فيها المخرج ومدير التصوير والمدير الفني في تقديم عالم ساحر مفعم بالتفاصيل ـ واليوم الثاني في الأحداث بالإسكندرية عام73 عام آخر فاصل في أمر الشجاعة والإقدام ومواجهة الغير.. يعود( حسن) خالد النبوي باحثا عن احتمالية أبوته لفتاة هي نادية وشقيقها الغرقان( علي) والتي تبحث فيه من خلال التحقيق في موت( علي) لمعرفة الحقيقة ـ حقيقة انتسابهم لحسن الذي يشبه الأخ رغم أنهما رسميا يحملان اسم غريمه( فؤاد) الذي تزوج الأم رسميا ـ( وعلي) هنا نموذج البطل الأسطوري والذي تمناه حسن أن يكون، أو علي أقل تقدير أن يكون ابنا ـ رابط قوي يجذبه إلى نادية التي تشبه أمها حبه الأول ولكن تعلقه بأن يكون( علي) هو الابن يمنعه من الاقتراب من نادية لأنهما توأم فإما أن يكون الاثنان من نسله أم لا..
أزمة درامية عميقة تدفع حسن للهروب من تعلقه بالاثنين بل الدفع بها لزيجة من نصف رجل ونصف مجنون لا يثير غيرته عليها وهو( جابر) محمد شومان ليهرب اللا بطل ويظل شبح( علي) البطل الذي يبهر الجميع ويحاول كل الرجال أن يصبحوا مثله ـ ثم انتقالية زمنية كبيرة لتصبح في الألفية الثالثة بالتحديد عام2001 عام أعادة العلاقة بين الحضارتين الشرقية والغربية.. المكان هو القاهرة مدينة( حسن) التي يحيا بها ـ يأتي إليه( علي) الجيل الثالث ابن نادية من زيجتها الرديئة بالرجل نصف المجنون يسمي( علي) هو أيضا.. ضعفهما.. مخاوفهما.. محاولتهما لتقليد الخال البطل الأسطورة ـ ولأول مرة يشعر حسن العجوز الذي يقوم بدوره العملاق( عمر الشريف) بالاحتياج للآخر ـ لأول مرة يعبر عما يشعر أو يدرك ما يشعر ـ لأول مرة يستسلم أو يهتم بالشكوك.. صار نسبه مهم تعلق( بعلي).. تمني أن يكون الحفيد ـ تمني أن يكون ما تبقي له بعد ما تبخر العمر.. تعاونه دكتورة التجميل(راوية) والتي تلعب دورها برقة وأنوثة( بسمة) تعاونه في تحليل ملامح العائلة أو شبه العائلة.. يبحث من خلالها عن نسب( علي) هل هو من صلبه أم من صلب الغريم( فؤاد).. لحظة إنسانية خالصة تكشف ضعف الشخصية.. ولأول مرة يدعو له للتعاطف معه بهذا القدر ـ هنا تشترك قدرة المخرج مع الممثل وموهبة عمر الشريف الفذة في إيجاد هذا التأثير.
الشك هنا هو محور العمل وأجمل ما يتركه بالمشاهد في ظل هذه الحالة الحالمة.. لينتهي الفيلم بمشهد كلاسيكي عالمي عمر الشريف يبحث عن( علي) الذي يعمل بالمطافي خلف قطار الصعيد المحترق الذي يشق القاهرة بأدخنته وصراخ الركاب.. والفيلم يختلف تماما عن السائد في السينما المصرية.. فهو إنساني لكنه فلسفي ولا يخلو من تحليل سياسي عميق لمفهوم البطولة في لحظات تاريخية يترجم هذا صورة خلابة صنعها مدير تصوير ساحر هو الإيطالي ماركوا ونوراتو بالاشتراك مع مخرج ورؤية بصرية معاصرة.. ويبرز هنا أضخم ديكور تم تشييده بالسينما المصرية هو ديكور المركب المعجزة.. كذلك مونتاج ذكي يعي إيقاع الفيلم المتنوع من هادئ إلى معتدل ثم متلاحق تبعا للزمن وهو ما برع فيه تامر عزت بإتقان ووعي.. أما عنصر التمثيل فجاء عمر الشريف صاحب التاريخ العريق مختلفا تماما عن أدواره المصرية والعالمية.. مما يدهشك من ممثل ذي قدرات فائقة يصعب علي أي مخرج تغير ثوبه. إلا أن تظل المفاجأة في التمثيل بالفيلم ثلاثة ممثلين هم سيرين عبد النور وشريف رمزي ومحمد شومان اكتشاف لهم في هذا العمل ولقدراتهم المدهشة..
وكان لعمرو واكد وبسمة حضور قوي وروح خلابة رغم صغر أدوارهما الا أنهما يجسدان بوضوح كاريزما الممثل حتى وإن كان ضيف شرف ـ خالد النبوي أجتهد بشدة وكان مناسبا في الجزء الأول من الفيلم وتخلص من فخره بوسامته وتمكن من الاقتراب من عمر الشريف بحرفية.. كعادته مجتهد ولكنه لا يدهش.
(المسافر) فيلم يستحق المشاهدة أكثر من مرة سواء للمتعة أو لفهم ما يصعب تحليله والغريب قلة عدد نسخه في دور العرض وهو ما يجعلنا نطرح تساؤلا.. هل مازلنا نعتقد أن الأفلام الفنية التي تنال الجوائز وتشارك في المهرجانات الدولية لا تحظي بجماهيرية في مصر إلا أن الإجابة جاءت من الجمهور الذي أقبل علي الفيلم.. فمن المسئول علي أن يعرض الفيلم بخمس نسخ كأنه فيلم أجنبي وهل ستظل وزارة الثقافة والشركة الموزعة للفيلم عند رأيهما بأن الفيلم الفني ليس جماهيريا أم سيعاد التفكير في طرح نسخ أخري للفيلم.؟
* الأهرام القاهرية