EN
  • تاريخ النشر: 03 مايو, 2010

الفيلم الفائز بفضية مهرجان الخليج المحنة.. عندما يبحث العراقي عن نفسه!

محنة البطل تتجدد طالما لا يعرف الراحة النفسية

محنة البطل تتجدد طالما لا يعرف الراحة النفسية

من أين تنبع هوية الإنسان.. من الجنسية التي يحملها في جواز السفر أم من تاريخه الحياتي الممتد في بلد ما، حتى ولو لم يكن هو بلده الأصلي أم من ذاته التي تتشكل حسب ما يعيش، ويتحرك، ويتخذ من قرارات ومواقف؟

  • تاريخ النشر: 03 مايو, 2010

الفيلم الفائز بفضية مهرجان الخليج المحنة.. عندما يبحث العراقي عن نفسه!

من أين تنبع هوية الإنسان.. من الجنسية التي يحملها في جواز السفر أم من تاريخه الحياتي الممتد في بلد ما، حتى ولو لم يكن هو بلده الأصلي أم من ذاته التي تتشكل حسب ما يعيش، ويتحرك، ويتخذ من قرارات ومواقف؟

هذا ما يطرحه فيلم "المحنة" للمخرج العراقي الشاب حيدر رشيد، الذي يتناول حياة شاب يعيش في لندن، ولا يغيب عن باله صورة أبيه الكاتب الذي قتل في العراق، فيما ينجز هو أولى محاولاته للكتاب مسلطا الضوء على غربة الإنسان وسط البشر.

أزمة الهوية هنا -إذن- هي المحرك الرئيس وراء انفعالات الشخصية الرئيسة في هذا الفيلم، الذي حاز الجائزة الثانية في مسابقة الأفلام الروائية الطويلة بالدورة الثالثة لمهرجان الخليج، واختتمت فاعلياتها منتصف الشهر الماضي.

ينتمي المخرج حيدر رشيد إلى ما يُسمى بالجيل الثاني من المهاجرين العراقيين الذين ولدوا في المنفى بعد الهروب الكبير الذي شهده العراق منذ السبعينيات، من قبل مئات المثقفين والفنانين العراقيين الفارين بأفكارهم من نظام صدام حسين.

وحيدر هو ابن أحد هؤلاء المثقفين الذي ولد وترعرع في المنفى بأوروبا، ومن هنا يبدو واضحا ظهور أزمة الهوية لدى بطل فيلمه "المحنةالذي يمثل أول أفلامه الروائية الطويلة.

إن المحنة التي ينطلق منها عنوان الفيلم هي محنة الهوية الذاتية التي يبحث عنها بطل فيلم حيدر.. فبطله هو ابن أحد الكتّاب العراقيين الذين اختاروا المنفى في أواخر السبعينيات من القرن الماضي، ثم قرر العودة إلى العراق بعد سقوط نظام صدام.. لكن الأب العائد يتم اغتياله في إحدى الحوادث الإرهابية الكثيرة التي يشهدها العراق منذ الاحتلال الأمريكي من قبل تيارات كثيرة مناهضة لأي محاولة لبث الروح مرة أخرى في العراق.

ولوهلة يبدو لنا أن أزمة هذا الشاب هي اغتيال والده.. ولكن المسألة بعد قليل من المشاهد تبدأ في التجلي بشكل أوضح.. فالوالد غاب بالجسد لكنه حاضر مع ابنه طوال الوقت من خلال مجموعة من شرائط الكاسيت التي قام بتسجيلها في بداية هروبه إلى أوروبا، وبالتحديد إلى لندن؛ حيث يدور الابن بسيارته مستمعا إلى صوت والده المتدفق في شبه يوميات شعرية عن مشاعره تجاه الوطن والمنفى.

لا يتحدث بطلنا كثيرا، وإنما يتفاعل مع كل ما حوله في صمت مليء بالأفكار والمشاعر الباطنية.

فيلم المحنة في مجمله -إذن-.. هو فيلم باطني جدا.. أحداثه قليلة لكن حجم العواطف والوجدانيات التي تحتشد في نفسية بطله كبيرة ومفرطة.

إننا نراه يقلب في التلفزيون فإذ به يشاهد برنامجا عن أحد الكتاب الشباب الذي يتحدث بغرور عن والد البطل، وكيف أنه -أي الكاتب الشاب- استطاع إنجاز كتاب كامل عن هذا الكاتب المغتال غدرا من خلال الأشرطة المسجلة التي ترك منها الكاتب العراقي العشرات باستثناء مجموعة من أشرطة البدايات، والتي لم يعثر عليها أحد.

هنا نعرف أن تلك الأشرطة هي ميراث ابن الكاتب الذي يمتص كلماته كل يوم بينما يتجول بحثا عن شيء ما مفقود في شوارع لندن-المنفى.

وفي اليوم التالي يتجه بطلنا إلى أحد كبار الناشرين في إنجلترا ليعرض عليه مسودة من كتابه الذي كتبه عن علاقته بأبيه، فنكتشف أنه يعيش تحت اسم مستعار هو "حسن".

كما نلاحظ أننا لا نعرف اسم البطل الحقيقي، وهو جزء من محنة الهوية التي يعانيها، فالأسماء تحدد بعضا من هوية أصحابها.

مع تقدم الأحداث نكتشف أن ابن الكاتب يرفض أن يبني هويته على أساس كونه ابن فلان، وإنما يريد أن يكون نفسه دون أن يستغل حادثة اغتيال والده في محاولة نشر كتابه، بدليل أنه يظل يتجول بعقد النشر دون أن يوقعه لأنه يؤمن بأن محنته الحقيقية ليست في اغتيال والده، ولكن في العثور على حقيقة ذاته.

ثم تبدأ ملامح المعادل الرمزي لأزمة هويته في الظهور تدريجيا من خلال أعز صديقاته التي نكتشف تدريجيا أن بينهما علاقة متأصلة وشديدة التداخل بشكل كبير.

وبينما تبدو هي مهمومة بالبحث له عن حل لأزمته سواء النفسية الخاصة بالهوية أم العاطفية الخاصة بالوحدة، والفراغ الشعوري.. نكتشف في مشهد طويل جدا أنه يحبها، وأنها جزء من محنته، لكنه حب من طرف واحد، فهي لا تبادله نفس الشعور بل وترفضه بشكل قاس جدا وعنيف.

هذا الرفض يكثف من حالة الرفض العامة التي يشعر بها بطلنا من كل شيء حوله.. إن محنته لا تنتهي بل تبدأ وتتجدد ما دامت أقدامه لا تطأ برا مستقرا، إن "المحنة" فيلم عن العراق الآني على الرغم من أنه مصور بالكامل في لندن، وبممثلين إنجليز لكنه عراقي الهم والأزمة.

حيدر رشيد على استخدام المشاهد الطويلة ذات الإيقاع الزمني البطيء والتأملي من ناحية، والحواري من ناحية أخرى، ويكاد يكون زمن كل مشهد على الشاشة هو نفس زمنه الواقعي لو أنه حدث في الحقيقة.

وللوهلة الأولى يبدو لنا الفيلم مليئا بالثرثرة المجانية في مشاهد الحوار، مثل المشهد الطويل بين ابن الكاتب والشاب الإيطالي القادم للعمل في لندن في مهن متدنية، بينما يحدثه بطلنا عن أنه يعمل ككاتب، وعندما يسأله الشاب الإيطالي عن الكتب التي أصدرها يقول له إنه لم ينشر أي كتب بعد، فيتعجب الشاب ويقول له كيف إذن يعتبر نفسه كاتبا وهو لم ينشر أي شيء!

وينتهي المشهد الطويل بهذا السؤال الذي يُضاف إلى الأسئلة الوجودية الكثيرة التي يطرحها علينا، وعلى بطلنا صانع الفيلم!

وعلى الرغم من أن الفيلم منجز بكاميرا ديجيتال إلا أن حيدر استطاع أن يقدم حالة بصرية ولونية متطابقة مع أزمة البطل.. من خلال استخدامه لتقنيات الكاميرا الرقمية، خصوصا فيما يتعلق بتجوله في الشوارع.

وتتماهى التفاصيل في عينيه عندما يستغرق في كلمات الأب المنبعثة من المسجل الصغير، كما يبدو هذا الإحساس بخشونة الواقع من خلال خشونة الصورة الرقمية التي هي على العكس من الصورة الأكثر عمقا ونعومة القادمة من الشريط الـ35 مم.