EN
  • تاريخ النشر: 17 مايو, 2009

رؤية نقدية لفيلم تجاوز الخط الأحمر أنوثة "هيفاء وهبي" تسرق سحر "دكان شحاتة"

بقدر ما كانت "هيفاء وهبي" تشكل عامل جذب جماهيري، وترقب للفيلم، كانت تمثل ثغرة في رسالة الفيلم.. أتحدث بالطبع عن فيلم "دكان شحاتةلا شك أن الكل يترقب وينتظر ما الذي تسفر عنه تجربة "هيفاء" ممثلة لأول مرة..

  • تاريخ النشر: 17 مايو, 2009

رؤية نقدية لفيلم تجاوز الخط الأحمر أنوثة "هيفاء وهبي" تسرق سحر "دكان شحاتة"

بقدر ما كانت "هيفاء وهبي" تشكل عامل جذب جماهيري، وترقب للفيلم، كانت تمثل ثغرة في رسالة الفيلم.. أتحدث بالطبع عن فيلم "دكان شحاتةلا شك أن الكل يترقب وينتظر ما الذي تسفر عنه تجربة "هيفاء" ممثلة لأول مرة..

نعم إنه فيلم المخرج "خالد يوسف" هذه حقيقة لأننا بصدد مخرج ينتمي إلى مدرسة "يوسف شاهين" هو أخلص تلاميذه وآخر أيضًا هذا العنقود، وأكثرهم اقترابًا من الأستاذ على الأقل خلال الخمسة عشر عامًا الأخيرة من عمر الأستاذ كما كان "خالد" يناديه دائمًا، ولهذا منحه الأستاذ شرفا أدبيا لم يسبق أن سمح به لأحد غيره؛ حيث شارك "يوسف شاهين" في "هي فوضى" مخرجًا، ووضع اسم تلميذه بجواره على الأفيش والتترات!!

الفيلم هو المخرج، أما النجم مهما زاد بريقه يظل أحد العناصر والأدوات الإبداعية المهمة للمخرج، لكنه ليس هو الفيلم، ولا يجوز أن يكون كذلك، ومن هنا يجب أن ننظر لفيلم "دكان شحاتة" الذي يقدم من خلاله "خالد يوسف" رؤيته السياسة لمصر في العقود الثلاثة الأخيرة منذ بداية ولاية الرئيس "حسني مبارك" ويسأل ماذا بعد.. ما هو المستقبل.. إلى أي اتجاه سوف تسير البلد؟!

القصة تبدو ملبدة بالأسئلة الحائرة وتقف على الحافة لا أحد يملك إجابة قاطعة ترسم ملامح البلد.. بالطبع لا يقدم "خالد يوسف" رؤيته بأسلوب مباشر، فلا يمكن أن تسمح الدولة بمناقشة سينمائية لهذه القضية، رغم أن الصحافة المصرية -وتحديدًا المستقلة- لا تتوقف عن الدخول إلى هذه المنطقة الشائكة، بل والملغومة، لكن تظل السينما والفن عمومًا يخضع في النهاية لجهاز رقابة غير مطلق اليد. والتابوهات الثلاثة الجنس والدين والسياسة تلعب ولا شكّ دورها في تحديد مثل هذه الأمور.. الحرية المسموح بها مقننة لأقصى درجة!!

ورقة "هيفاء وهبي" في الفيلم تمثل الشق التجاري، إنها تؤدي دور الفتاة الحسناء "بيسة" التي يتصارع عليها الشقيقين عمرو سعد "شحاتة" ومحمد كريم "سليم".. ميلاد "شحاتة" يتوافق زمنيًّا مع رحيل "أنور السادات" وبداية تولي "حسني مبارك" الحكم في مصر، ولا أتصور هذا التوافق الزمني عبثًا، بل هو مقصود ومقنن.. الأخ الصغير ينمو مع الأب بعد رحيل الأم يوم ولادته هو الأقرب إلى قلب أبيه.. يسألونه لماذا أطلقت عليه "شحاتة" يقول لهم والده: "محمود حميدة" شحته من الدنيا.. أخذته "شحاذة".. بالطبع هو غير محروم من البنين وله ولدان وبنت، إلا أن الكاتب "ناصر عبد الرحمن" يريد التأكيد على أن "شحاتة" حالة خاصة في السياق الدرامي، كما أنه يشكل بالنسبة لأبيه نقطة ضعف..

زرع "هيفاء وهبي" في الفيلم هو استخدام لجماهيرية مطربة قادرة على جذب الناس إلى دار العرض.. الدور يحتاج ممثلة من الطراز الأول لكي تصل إلى كل التفاصيل التي يريدها المخرج، ولكن يبدو أن هذا هو آخر ما استطاع المخرج أن يحققه مع "هيفاء وهبي" كان مستواها يتباين في الأداء، لم تصل بالطبع إلى المطلوب؛ لأنها في عدد من المشاهد الساخنة تعبيريًّا كانت تبدو فاترة، وفي عديد من المشاهد الهادئة تعبيريًّا كانت تبدو ساخنة.

أيضًا تم إقحام مشاهد لها حتى لا يصطدم الجمهور الذي أراد أن يرى أمامه "هيفاء وهبي" كصورة ذهنية تعارف عليها الجمهور، بعد أن أصبحت هي رمز الأنوثة.. المخرج كان بين حين وآخر يبحث عن مشهد تظهر فيه "هيفاء" أنوثتها بقدر المستطاع.. صحيح أنها لم تغن ولم تقدم مشاهد على طريقة أغنيات الفيديو كليب، لكن كانت هناك محاولات لا تنقطع من جانب المخرج للبحث عن أية ثغرة تقدم من خلالها "هيفاء" هذه المشاهد، مما أثر بالسلب بالطبع على جدية المشروع السينمائي الذي تحمس له والقضية الفكرية التي يرنو لتقديمها!!

المخرج يحرص على أن يمزج التاريخ البعيد الذي يصل إلى حدود الخيال في البطولة، متمثلًا في حكايات "أبو زيد الهلالي" التي يعشقها الأب، يقدم هذا التاريخ الموغل في الزمن القديم مع التاريخ القريب الذي نراه في صورة "جمال عبد الناصر" التي يحتفظ بها في بيته وهو يروي حكايات عن "عبد الناصر" الرجل الصعيدي المولود في قرية "بني مر" يرويها بكثير من الاعتزاز، وفي حوار يوحي بكثير، يقول الأب لابنه -عندما رأى الصورة على الجدار وبجوارها شرخ كبير-: ضع الصورة لتداري الشرخ، وتأتي الإجابة الشرخ أكبر، فيطلب منه أن يداري بها ما يمكن..

لا أستطيع أن أعتبر الفيلم بكاء على زمن "عبد الناصر" أو انتصارا له، بقدر ما يقدم شخصية صعيدي عاش زمنًا مع "عبد الناصر" وتجسد أمامه كبطل ولم يغادر مشاعره!!

"دكان شحاتة" عابه كفيلم سينمائي أنه كان يحتاج إلى قدر أكبر من التكثيف في الثلث الأخير من الأحداث، وتحديدًا بعد رحيل الأب، ليصل إلى الذروة النهائية، وهي المواجهة بين الأشقاء، ثم انتشار الفوضى في نهاية الأمر، ليسيطر الانفلات على كل شيء.. من الذي زرع كل ذلك؟ إنه الأب الذي أدى دوره باقتدار "محمود حميدةفهو الذي روى أرض الفرقة بين الأبناء، ليحصد بعد ذلك الكراهية، عندما منح ابنه الصغير كل شيء فأوغل صدورهم ضده، ولم يضع الأسس القانونية للتوريث.. صحيح أن الفيلم يحيط "شحاتة" بقدر كبير من المثالية، فهو يتسامح مع عدوانية أشقائه، يتسامح مع من ظلموه وزجوا به في السجن، ونزعوا عنه كل حقوقه الشرعية.. إنها مثالية تنزع عن البطل صفاته البشرية حتى يأتي موته في النهاية، وهو يحمل البطاقة الشخصية لأبيه وشريط كاسيت للسيرة الهلالية التي كان الأب يتوق دومًا للاستماع إليها؟!

لا شك أن "دكان شحاتة" تمكن من اقتحام خط أحمر على المستوى السياسي، لم يسبق أن ناقشه أيّ فيلم مصري، وهو ماذا بعد عصر "مبارك".. ولكني لا أزال أرى أن "هيفاء وهبي" لم تكن كممثلة هي الاختيار الأمثل للمخرج.. لأن "دكان شحاتة" كعمل فنيّ قادرًا على الجذب الجماهيري دون أن يتكئ على أنوثة "هيفاء وهبيبل إن "هيفاء وهبي" تأخذ كثيرا من سر وسحر القيمة الفكرية التي يتبناها الفيلم!!

(*) خاص بموقع mbc.net