EN
  • تاريخ النشر: 08 مارس, 2012

أندريه زفياجينتسيف.. عــــــــودة الأب الضال والوفاء السينمائي

fan article

fan article

زفياجينتسيف وريث شرعي للسينما الروسية، ومن أبرز أسمائها المعاصرين وقد عُرف على نطاق عالمي واسع مع أولى تجاربه الإخراجية الروائية الطويلة

  • تاريخ النشر: 08 مارس, 2012

أندريه زفياجينتسيف.. عــــــــودة الأب الضال والوفاء السينمائي

(زياد عبدالله) يمكن العبور مع المخرج الروسي أندريه زفياجينتسيف (1964) من اللقطة الأولى، واعتبارها في الوقت نفسه اللقطة الأخيرة، كما لو أنه يؤسس لموقع التصوير بما يشبه نقطة البداية أو خط الانطلاق، ولتتوالى اللقطات والمشاهد التي تتنقل من موقع إلى آخر، لكن ضمن بيئة متسقة ومتصلة بالشخصيات، وحين نصل النهاية، والتي لم تكن إلا نقطة البداية، فإن الفيلم سيكون قد دار دورته الدرامية وعاد من حيث بدأ.

 لا تتسبب تلك الدورة سابقة الذكر بلهاث متأتٍ من تتابع اللقطات السريع، الأمر الذي لن تقع عليه في أفلام زفياجينتسيف، وما يتسبب في عدم التمكن أحيانا من التقاط الأنفاس يأتي من التصعيد الدرامي البطيء، والتنويع في اللقطات بين الثابتة والبانورامية، والتي غالباً ما تكون متوسطة الطول، إضافة إلى الاستثمار في المكان والمفردات البصرية، وتوزيع الشخوص التي لا تتحول إلى جموع أبداً.

زفياجينتسيف وريث شرعي للسينما الروسية، ومن أبرز أسمائها المعاصرين، وقد عُرف على نطاق عالمي واسع مع أولى تجاربه الإخراجية الروائية الطويلة The Return (العودةالذي فاز بأسد فينسيا «لاموسترا» الذهبي عام ،2003 بما يشبه ما حصل مع مواطنه اندريه تاركوفسكي حين نال عام 1962 أسد «لاموسترا» الذهبي عن أولى تجاربه الروائية الطويلة «طفولة إيفان»، لكن إيفان في «العودة» لن تكون طفولته مسروقة من الحرب، بل ستكون تحت رحمة أب عائد، سيبقى لغز الفيلم، ولغز ايفان وأخيه أندريه أيضاً.

يشبّه زفياجينتسيف بتاركوفسكي، وهناك ملامح كثيرة في أفلامه يمكن ضبطها متلبسة وهي تتقاطع مع عوالم المعلم الروسي الكبير، لكن لا يمكن إلحاق صفتي «سيد الزمن» أو «نحات الزمن» بـزفياجينتسيف، الصفتان اللصيقتان بتاركوفسكي هو الذي شكلت علاقة الزمن بالسينما هوسه، والذي هو هوس كل سينمائي حقيقي، مع أن تاركوفكسي «سيد المكان» أيضاً، وإن لم يتناول المكان يوماً كما فعل مع الزمن، الصفة التي أجدها أقرب إلى زفياجينتسيف، هو الموزع بين تاركوفسكي وبرجمان وأنطونيويني.

فإن كان برجمان قد قال: «إن صناعة فيلم مسألة شخصية بالنسبة إلي..»، فإن حقيقة أن زفياجينتسيف هجره والده وهو لم يتجاوز السادسة من عمره ستحضر بقوة في فيلمه «العودة» ،2003 و The Banishment (النفي) ،2007 حيث يتمركز الفيلمان حول الأب، ولتكون الأم في «العودة» على شيء من جولينا (مونيكا فيتي) في فيلم أنطونيوني «صحراء حمراء» ،1964 ومعها تلك المصانع والمدن الصناعية القبيحة التي لا تغيب عن أفلامه، وهي تخرج علينا من طبيعة ساحرة.

يبدأ فيلم «العودة» من تحت الماء، من قارب غارق في القاع، وفتية يقفزون في الماء من أعلى برج، ومن بينهم الأخوان أندريه وإيفان، اللذان سيكونان شخصيتا الفيلم الرئيستين، الأول في سنة مراهقته الأولى، بينما لم يتجاوز إيفان الثانية عشرة من عمره، هو الذي نقع عليه عاجزاً عن القفز في الماء، وخائفاً في الوقت نفسه من وصفه بالجبان من قبل المحيطين به.

في اليوم التالي سينال إيفان لقب الجبان، وعلى لسان أندريه أيضاً، ولدى عودتهما إلى البيت، سيقع الحدث الرئيس في الفيلم حين تخبرهما أمهما بالتكلم بصوت منخفض لأن والدهما نائم، وليصعد إيفان بعد أن يتفقد والده نائماً إلى علية البيت، ليخرج صورة عائلية يتأكد من خلالها بأنه هو وليس أحداً آخر، هو الذي لم يقع على والده من قبل.

سيكون مجيء الأب المعبر إلى كل ما سنشاهده طيلة الفيلم، خصوصا مع قراره أن يأخذ ابنيه في رحلة صيد، ما يحوّل الفيلم إلى «فيلم طريق»، لكن دون أن تطرأ تغيرات درامية على الشخصيات، فالأب يبقى غامضاً بالنسبة لابنيه ولمن يشاهد الفيلم، وهو يلعب دور الأب الذي يرغب بتعليم أولاده مواجهة الحياة بصلابة وقسوة، وعلى شيء من الرفض من إيفان والقبول من أندريه، وفي كلتا الحالتين سيكون حضوره طاغياً، يريد له إيفان أن يكونو طارئاً، كونه شديد الوطأة، ولا معنى له بعد كل تلك السنين التي عاشها من دونه.

سينفتح الفيلم على مساحات مناخية متعددة، وستكون مجاورة المياه والتخييم والصيد وإشعال النار والتعايش مع الطبيعة المسعى الرئيس للأب، كما لو أنه يروض ابنيه، إيفان متمرد، أندريه مستسلم وسعيد بوالده، وما بينهما هناك عوالم رمزية تمارسها الطبيعة على العلاقة المستعادة بين الأب وأبنائه، وصولاً إلى عقدة «قتل الأب» الفرويدية التي ستظهر جلية لدى إيفان.

لن يعرفا أين كان الأب خلال الاثني عشرة سنة التي أمضاها بعيداً عنهما، ولن نعرف ذلك أيضاً، المهم الحاضر وما نشاهده يمضي في خط أفقي، ووصولهما إلى جزيرة نائية، وليبدو الأب يعاني عدم فهم ابنيه له، والعكس صحيح، وإن كان للرحلة أن تكون «أوديسة»، فهي أوديسة فشل لم الشمل، إنها عن هذا الرجل الذي يغدو مظلماً في القارب، وهو يشجع إيفان وأندريه على التجديف، إنها أوديسة تقول إن العودة مستحيلة، وفعل العودة هنا ليس في الطريق والمسار بل من الأعماق، إلى أن نلتقي مجدداً بالقارب الذي بدأ به الفيلم، ووصول الفيلم المأساة محوّلاً قتل الأب إلى فعل يتخطى المجاز. بالانتقال إلى ثاني أفلام زفياجينتسيف «النفي» المقتبس عن رواية للروائي الأمريكي وليم سارويان، فإن العائلة ستكون أيضاً الكلمة المفتاح في مقاربته، وهذا النفي سيكون بالمعنى الديني للكلمة فعل طرد من جنة العائلة، لا بل إن أي شيء خارج ذلك سيكون ملتبساً، والفيلم يبدأ من لقطة ثابتة لشجرة وحيدة في حقل مترامٍ، وسيارة بالكاد ترى قادمة من بعيد، ومن ثم تمر مسرعة من جانب الشجرة، ولنتلقفها في لقطة ثابتة أخرى وهي تعبر الطريق، ولتتوقف فجأة بعد أن تمر بالقرب من معامل وأبنية صناعية ليمر قطار من أمامها، وهنا سنشاهد السائق، إنه ينزف!

بداية تأخذنا إلى «الأكشن»، لكن كل شيء سيمضي بالاتجاه المعاكس ، فالمصاب هو مارك الذي يلجأ إلى أخيه ألكسندر، وليقوم الأخير بمعالجته، وليترك بيته مع عائلته (زوجته فيرا وابن وابنةويمضوا جميعاً إلى بيت في قرية نائية، وهناك ستنفتح الكاميرا على لقطات بانورامية مدهشة لمساحات مترامية من الطبيعة في تنويعات مختلفة، وهنا سيكون الأب والأم هما محوري الدراما في الفيلم، مع حضور الولدين في النصف الأول من الفيلم.

عبارة واحدة ستكون مفصلية في كل ما سينبني عليه الفيلم، إذ ستقول فيرا لألكسندر: «أنا حامل والجنين ليس منك»، وأمام الخيارات التي يقف أمامها ألكسندر يقرر أن يجهض الجنين ويواصل حياته على أمل الشفاء من هذا الجرح العميق الذي تسبب فيه اعتراف زوجته له، وعليه سيلجأ إلى مارك الذي يأتي بطبيب ليقوم بعملية الإجهاض والذي سيؤدي إلى وفاة فيرا.

لكن مهلاً كل ذلك يخبئ كثيرا مما نجهله، والاكتشافات التي ستتوالى في النهاية ستكون كفيلة بإعادتنا إلى مشهد أولاد ألكسندر وفيرا، وهم يلعبون مع أبناء جيرانهم بتركيب لوحة أيقونة لمريم العذراء، وهي تتلقى من ملاك نبأ حملها بيسوع المسيح هي التي لم يمسسها رجل. وفي تتبع لاستخدام زفياجينتسيف للرموز الدينية فإنها أي فيرا ستكون امرأة مجهولة تماماً بالنسبة للمشاهد، فالجنين ليس إلا من زوجها ألكسندر، وهي تمتلك شخصية مأزومة انتحارية تعاني انعدام التواصل مع الكسندر، ولتجد ملجأها في صديق زوجها روبرت المتهم من قبل ألكسندر بأنه الأب الذي تحمله في أحشائها، والذي لن يكون إلا منقذها من محاولة انتحارها الأولى ومشاركها أزمتها النفسية الحادة صديقاً. في «النفي» سيكون عليّ أن أقول إنه الأهم، والسينمائية الشعرية فيه ستكون حاضرة بقوة تفوق ما ظهرت عليه في «العودة»، وإن درامية قصة الفيلم لن تكون بشيء بالنسبة للكيفية التي تم سردها، كما يمكن اعتبار هذا الفيلم صكاً سينمائيا لـزفياجينتسيف على أنه الوريث الشرعي لتاركوفسكي، وهو يستثمر في الطبيعة الخلابة والمتنوعة، وتتبع مجاري المياه، والاتكاء على لقطات لها أن تكون خارجة من «مرآة» تاركوفسكي

* نقلا عن صحيفة الإمارات اليوم