EN
  • تاريخ النشر: 22 ديسمبر, 2011

حلم مخرج تونسي يفشل سينمائيا "ديما براندو" يتعرض لهزيمة جديدة بمهرجان وهران

لقطة من فيلم

لقطة من فيلم "ديما براندو"

فيلم "ديما براندو" للمخرج التونسي المعروف "رضا الباهي" يتعرض للفشل فى المهرجانات وآخر محطة له كانت مهرجان وهران

من مهرجان إلى آخر والمخرج التونسي المعروف "رضا الباهي" يصطحب معه فيلمه "ديما براندووالغريب أنه دائمًا ما يخذله الفيلم، وبالمناسبة فإن "ديما" باللهجة التونسية تعني دائمًا. كانت المحطة الأولى له هي مهرجان "أبو ظبي" في منتصف أكتوبر الماضي وتنقل الفيلم بين أكثر من مهرجان وجاءت المحطة الأخيرة له في "وهران" أتذكر جيدًا قبل عشر سنوات عندما كنت أقابل في المهرجانات "رضا الباهي" قبل سبع سنوات كم كان سعيدًا وهو يتحدث عن فيلمه القادم "ديما براندو" كان هو حلم حياته.

 البعض كان يتشكك في جدية المشروع متسائلًا وربما ساخرًا كيف أن النجم الأسطوري الكبير "مارلون براندو" يقبل أن يشارك في فيلم ميزانيته محدودة ومخرجه عربي.. ولكن الخبر كان حقيقيًا و"براندو" صرح به أكثر من مرة.

 كانت القصة كما رواها لي "الباهي" تتناول حكاية شاب صار متيّمًا بحب "مارلون براندو" لأن ملامحه تتشابه معه والناس تطلق عليه "براندوويصبح حلمه أن يلتقي به وبالفعل يسافر إلى هوليود، ويلتقي مع نجمه الأثير هناك، وأكد لي وقتها "الباهي" أن "براندو" اختار السيناريو من بين عشرات الأفكار التي تعرض عليه، وأن سر تختيار "الباهى" لبراندو ليس فقط لقيمته الإبداعية؛ ولكن هذا الفنان العالمي كانت له مواقفه السياسية التي لا يستطيع أحد أن يزايد عليه؛ فيها مثل مناصرته للسكان الأصليين لأمريكا "الهنود الحمرودفاعه الدائم عن حقوق الفلسطينيين.. كان "الباهي" يبدو لي أنه ينام على "براندو" ويصحو على "براندو".

شاهدت العديد من أفلامه التي كثيرًا ما أثارت إعجابي حيث تشغله دائمًا "تيمة" العلاقة بالآخر مثل "شمس الضباع" و"السنونو لا يموت في القدس" و"صندوق عجب" وغيرها، فهو لديه دائمًا خصوصية كمخرج، وكان يشعرني بأنه يريد أن يتوج مشواره مع "ديما براندوإلا أن القدر كان له رأي آخر مات "براندو" قبل سبع سنوات، فقرر "الباهي" أن يتحدى القدر.

 صحيح أن "براندو" كان دوره محدودًا على المستوى الزمني في السيناريو مثلما شاهدناه من قبل في الفيلم الشهير "سفر الرؤية الآن" إخراج "فرنسيس فورد كوبولاولكن الزمن الذي شارك فيه "براندو" لمدة 15 دقيقة هي التي منحت الفيلم الأمريكي عمقه وتلك هي المشكلة التي عاشها "الباهي"؛ أنه لا يملك شيئًا مصورًا من "براندو" قدمه مباشرة للفيلم.

 صحيح أنه كان في المشاهد الأخيرة لفيلمه "ديما براندو" يمسك بأشرطة يؤكد أنها تحوي تسجيلات صوتية لبراندو، إلا أنه في الفيلم كان يروي عما بحوزته من لقاءات ولا يقدم الوثيقة الصوتية لبراندو، حيث أكد أنه أعطى وعدًا لبراندو ألا يسمع أحد هذه الأشرطة رغم أنها لم تكن تحوي بالتأكيد أسرارًا شخصية يخشى "براندو" من ذيوعها بعد رحيله، ثم إنه بالفعل أعلن فحواها للجمهور من خلال الفيلم فلماذا لم يقدمها.. هل كان المخرج بهذا الفيلم يكتب بكائية مصورة عن حلمه المجهض؟!.

تخبط السيناريو

كان "الباهي" يبدو في الكثير من الأحيان مثل من عثر على "زرار" وقرر أن يصنع له "جاكتة" تتلاءم معه.. الفيلم يتخبط على مستوى السيناريو ويبدو أنه يقدم كل شيء من الأرشيف، لا أعني لقطات أرشيفية ولكن مفهوم سابق التجهيز للعمل الفني.. مثلًا هو يقدم بطله يتنازل من أجل أن يحقق حلمه بالسفر إلى أمريكا ويقيم علاقة شاذة مع المخرج الأمريكي الذي جاء لتصوير أحد الأفلام في تونس، ونرى خطيبته تقدم نفسها إلى رجل ثري لكي توفر له مصاريف السفر لأمريكا، ولكنه بدلًا من السفر إلى هناك يقرر الهجرة إلى إيطاليا فيلقى حتفه في البحر وكأنه يعاقبه أخلاقيًا على تنازله.

 المخرج ينتقل دائمًا إلى كواليس الفيلم الأمريكي الذي يجري تصويره في تونس ويقدم شخصيات القرية التي تدور فيها هذه الأحداث لنرى بعضهم يبيع شرفه زهاء بضعة دولارات وبعضهم تقتله الأضواء!!.

ما الذي يتبقى في الذاكرة من هذا الفيلم؟ الحقيقة لا شيء، وما الذي كان يشغل المخرج بإصراره على تحدي الأقدار التي خطفت منه في اللحظات الحاسمة "براندو".. هل هو يريد أن يحلل مشاعر البسطاء مثلًا عندما يجدون أمامهم الأضواء والدولارات فيستسلمون لها.. لا أعتقد ذلك، الشاشة لم تقل سوى أن هناك إحساسا لدى المخرج بأنه فقد مشروع عمره الذي كان سيصعد به من خلال اسم "مارلون براندو" إلى العالمية، أراد "الباهي" أن يبني بيتًا في الهواء بعد أن فشل في بنائه على الأرض.

تذكرت ما حدث -مع الفارق بالطبع- في فيلم "حليم" قبل أكثر من ست سنوات عندما وجد صنّاع الفيلم أن لديهم نحو 15 دقيقة صورها "أحمد زكي" قبل رحيله مجسدًا فيها شخصية "عبد الحليمفقرروا أن يستثمروا هذه الدقائق في صناعة فيلم.. هذه المرة كان الأمر أصعب بكثير؛ لأن "الباهي" لم يكن يملك شيء سوى الأرشيف السينمائي من الأفلام القديمة لـ"براندو" وهو متاح للجميع.. إنها مرثية مخرج يبكي سوء حظه، ومن سوء حظه وحظنا أنه قرر أن يصنع من تلك الحالة فيلمًا.. مات البطل "مارلون براندو" قبل أن يولد الفيلم، بينما مات مشروع "رضا الباهي" بعد أن ولد الفيلم، وهكذا صار "الباهي" ينتقل من مهرجان إلى مهرجان والهزيمة تلاحقه!!.