EN
  • تاريخ النشر: 16 مارس, 2011

الفيلم قليل من السياحة كثير من التشهير الحضاري "حمادة" الإسباني يروج لانفصال الصحراء "المغربية" بمشاهد الختان

 مخرجة الفيلم آنا بوفارول

مخرجة الفيلم آنا بوفارول

ضمن عروض برنامج "قصص إفريقية" خلال فعاليات مهرجان سالونيك للأفلام التسجيلية في دورته الثالثة عشرة (11-20 مارس/آذار)؛ قدَّمت المخرجة الإسبانية الشابة آنا بوفارول فيلم "حمادة" الذي صُوِّر بالكامل في الصحراء الغربية المُتنازَع عليها مع المغرب؛ وذلك في تجربة وثائقية قامت فيها بالإخراج وكتابة السيناريو والتصوير والمونتاج.

ضمن عروض برنامج "قصص إفريقية" خلال فعاليات مهرجان سالونيك للأفلام التسجيلية في دورته الثالثة عشرة (11-20 مارس/آذار)؛ قدَّمت المخرجة الإسبانية الشابة آنا بوفارول فيلم "حمادة" الذي صُوِّر بالكامل في الصحراء الغربية المُتنازَع عليها مع المغرب؛ وذلك في تجربة وثائقية قامت فيها بالإخراج وكتابة السيناريو والتصوير والمونتاج.

وتأتي أهمية هذا الفيلم من كونه يستغرق داخل تفاصيل أحد تجمُّعات القبائل في الصحراء الغربية أحد أكثر مناطق النزاع السياسي سخونةً في الوطن العربي. ورغم أن إسبانيا -سياسيًّا- تؤيد الحكم الذاتي للصحراء تحت السيادة المغربية، فإن الفيلم يؤكد النزعة الانفصالية لدى بعض سكان الصحراء؛ وذلك بالحديث المباشر لشخصياته، أو الظهور المتكرر للعلم الانفصالي لـ"الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية".

منذ اللقطات الأولى للفيلم، تشعر أن هناك ميلاً إلى الخوض في تفاصيل المجتمع الصحراوي بشكلٍ يحمل كثيرًا من الريبة؛ فالمشهد الأول في الفيلم عبارة عن عملية ختان لطفل صغير هو محمد. العملية تُصوَّر بالكامل، وبلقطات قريبة للعضو الصغير الذي تُنتزع غُلْفته وسط صراخ الطفل الصاخب ومباركة أهله.

ويذكِّرنا هذا المشهد بالمشهد الشهير الذي بثته قناة "سي إن إن" منذ سنوات لعملية ختان إحدى الفتيات في مصر، والذي تسبَّب وقتها بأزمة اجتماعية وسياسية؛ حيث من المعروف أن التطرُّق إلى عملية الختان في الشرق يأتي دائمًا من وجهة نظر غربية مغرضة؛ ما يفرض تساؤلاً عن أهمية هذه اللقطة في سياق الفيلم!؛ حيث إن أحداث الفيلم تقريبًا تدور كلها حول محمد وعائلته، بدايةً من ختانه وعبر أيام طويلة من تصوير حياتهم اليومية الصحراوية.

فلماذا أرادت المخرجة التركيز على جزئية الختان؟ وهل أرادت أن توحي بأن محمد ينتقل من طور الطفولة إلى طور الرجولة، رغم أنه لا يزال في السابعة أو الثامنة من العمر؟ وهل هي محاولة للإسقاط على الوضع السياسي في الصحراء التي تشير إلى أنها -عن طريق الموازاة بين عملية ختان محمد وتلك التفاصيل الاحتفالية بالعلم الانفصالي وبترديد الحوار الذي يؤيد الانفصال- مجتمع ينتقل من الطفولة إلى الرجولة وتحديد المصير؟

أم محمد هي الشخصية الرئيسية في الأحداث؛ حيث تدخل الكاميرا معها في أدق التفاصيل الحياتية للبيت الصحراوي. وتركز الكاميرا على هذه السيدة باعتبارها رأسَ الأسرة؛ لتقديم صورة عن الهرم الاجتماعي في الأسرة الصحراوية، الذي تعتلي قمته المرأة لا الرجل!؛ حيث نلحظ تهميشًا كبيرًا لظهور الرجال في الفيلم؛ فنراهم فقط في البداية يلعبون نوعًا من الشطرنج البدائي برقعة من الرمال المخططة والعصي والحصى.

أما أم ومحمد وبناتها فهن اللاتي يتولَّين كل شؤون البيت من تنظيف وطبخ وتربية ماعز وطيور واهتمام بصحة الأولاد، وحتى الاشتراك في المناسبات السياحية التي تنظَّم في الصحراء واصطحاب الأطفال إلى عروض السينما في المهرجان.

ويصل الأمر إلى استقبال المعونات الغذائية التي تأتي في شاحنات ضخمة إلى الصحراء، والتي تعكس الوضع الاقتصادي والاجتماعي للمنطقة، بل أن أم محمد نفسها هي التي تتحدث طوال الوقت مع بناتها وقريناتها حول ضرورة الانفصال عن المغرب، وتغني في أحد المشاهد: "تحيا الصحراء وتسقط مراكش".

لا تستعمل المخرجة أي نوع من التعليق الصوتي أو الكتابة على الشاشة، بل تترك عملية تعريف الشخصيات والأماكن والأزمنة للصورة المطلقة وللحوار بين شخصيات الفيلم والأصوات الطبيعية للبيئة التي تصور بها. ويكاد شريط الصوت يخلو من أي مؤثرات موسيقية إلا في لحظات قليلة.

وحاولت المخرجة بذلك أن تقترب من سينما الحقيقة، لكن يبدو من تتابع اللقطات أن تدخُّلها في صياغة سيناريو الفيلم جاء بتوجيه الشخصيات إلى إعادة تمثيل حياتهم اليومية أمام الكاميرا، وهي أقدم مدرسة وثائقية؛ حيث تذكِّرنا بالفيلم الكلاسيكي الشهير "نانوك من الشمال" الذي قدَّم تفاصيل لحياة قبائل الإسكيمو.

ولكن الفيلم يتخذ موقفًا سياسيًّا واضحًا من القضية عبر تغييب أية وجهة نظر أخرى عن الوضع السياسي وتفاصيل النزاع؛ ما يعكس للمشاهد غير المُلِم بالخلفية السياسية لوضع الصحراء، أن هذه البقعة محتلة أو مهددة من قِبَل قوى خارجيةوأنها تقاوم لكي تستقل أو تنفصل بنفسهاوهو طرح سياسي خطير.

كما يظهر العلم الانفصالي للصحراء، ونسمع تعليقًا من أحد الأشخاص، أثناء المهرجان الاحتفالي، أن هناك تكريسًا لفكرة الكفاح الوطني المُسلَّح سعيًا إلى الانفصال، وتصور الكاميرا عرضًا شبه عسكري للأطفال يشترك فيه محمد نفسه، في دلالةٍ واضحةٍ على طبيعة التلقين السياسي الذي يشب عليه الجيل الجديد من أبناء الصحراء.

ولا يخلو الفيلم من تلك النظرة السياحية التي تغلِّف دومًا رؤية الغربيين لأهل الشرق، خاصةً مَن يعيشون في الصحراء إلى الآن.

ورغم أن المخرجة لم تَسْعَ وراء تصوير المناظر الطبيعية الصحراوية التي عادةً ما تلفت نظر العين الأوروبية؛ فإن ثمة محاولة مستمرة للربط عن طريق اللقطات بين الإنسان والحيوان في تلك المنطقة؛ حيث نرى لقطة للماعز وهي تجتمع على قصعة الأكل، وبعدها مباشرةً لقطة لعائلة محمد وهي تجتمع حول قصعة مماثلة على الأرض يأكلون بأيديهم.

وبما أن الفيلم لا يحتوي على تعليق صوتي، فإن المتفرج يُكوِّن مفهومه عن الأحداث عبر تتابع اللقطات وعلاقة بعضها ببعض، فيخرج بفكرةٍ عن هذا الواقع المتخلِّف البعيد عن كل مظاهر المدنية الحديثة، سواء شكلاً أو مضمونًا.

وفي أحد المشاهد، نرى أم محمد وهي تحاول أن تعالج عينيه بدهنها ببعضٍ من مطحون الصخور الصحراوية، لكن بعد عدة مشاهد نجد عين محمد قد ازدادت سوءًا، فتضطر الأم إلى استعمال مراهم وأدوية حديثة جاءتهم عبر شحنات المساعدات الإنسانية، فماذا يمكن أن نفهم من هذا التتابع سوى أنها ربما تقصد التشهير الحضاري؟!

وأثار الفيلم اهتمام المشاهدين من رواد المهرجان، لكنه لم يُثِرْ إعجابهم، خاصةً مع كثرة مشاهد الختان وعملية تكوين قشرة الغُلْفة والتغيير على الجرح، وهو إصرار غير مبرر فنيًّا من المخرجة، ويدخل في نطاق استفزاز المشاعر الإنسانية، خصوصًا مع صراخ محمد المستمر الذي تردده الصحراء على اتساعها.