EN
  • تاريخ النشر: 27 مايو, 2012

mbc.net في دورته الـ65 . مهرجان " كان".. كثير من الأفلام الهزيلة قليل من الإبداع الفني

إضافة 7 أفلام جديدة لمسابقة نظرة خاصة بمهرجان كان

5 ألاف إعلامي تابعوا فعاليات المهرجان

شهد "كان" هذا العام أقل دوراته جاذبية رغم الإقبال الإعلامي؛ حيث غطي فعاليات المهرجان أكثر من 5 آلاف إعلامي. وشهدت هذه الدورة أيضا هطول دائم للأمطار الغزيرة التي كانت هي أيضًا الأغزر طوال دوراته، لكن بالتأكيد الحصيلة ليست هزيلة تمامًا تستطيع أن تتوقف أمام عددًا محدودًا من تلك الأفلام التي وجدت لنفسها مساحة في الذاكرة.

  • تاريخ النشر: 27 مايو, 2012

mbc.net في دورته الـ65 . مهرجان " كان".. كثير من الأفلام الهزيلة قليل من الإبداع الفني

(طارق الشناوي) هل كانت هذه هي الدورة الأضعف في تاريخ مهرجان "كان" الذي وصل إلى دورته رقم 65.. الكثيرين ممن تابعو المهرجان في الكثير من دوراته يؤكدون ذلك ولكن لو كان لي أن أجيب من واقع متابعتي لعدد 21 دورة متتالية من عمر المهرجان بدأت رحلتي معه عام 1992 أستطيع أن أقول إن هذا العام شهد بالفعل أقل دوراته جاذبية، ورغم ذلك تكتشف أن الإقبال الإعلامي على المهرجان تزداد معدلاته؛ حيث غطى فعاليات المهرجان أكثر من 5 آلاف إعلامي.

شهدت هذه الدورة هطولا دائما للأمطار الغزيرة التي كانت هي أيضًا الأغزر طوال دوراته لكن بالتأكيد الحصيلة ليست هزيلة تمامًا تستطيع أن تتوقف أمام عددًا محدودًا من تلك الأفلام التي وجدت لنفسها مساحة في الذاكرة.

  لا شك أن فيلم "حب" إنتاج ألماني فرنسي نمساوي مشترك للمخرج النمساوي "ميشيل هانكا" الحاصل على سعفة كان قبل ثلاثة سنوات عن فيلمه "الشريط الأبيض" كان هو الأفضل.نحن أمام زوجين تجاوزا الثمانين يعيشان في حالة امتزاج يجمعهما حب الموسيقى فلقد كانا أستاذان لتلك المادة قبل الإحالة للمعاش.

الفيلم يبدأ برجال الشرطة يقتحمون منزلًا ويضعون كمامات على وجوههم دلالة على مضي بضعة أيام على وقوع الجريمة ونكتشف جثة امرأة ملقاة على السرير وحولها الزهور.

اللقطة الثانية في المسرح حيث كان الزوجان الحبيبان يحضران حفلًا موسيقيًا ونعود بعد ذلك إلى الموقع الرئيسي للأحداث والكاميرا لا تغادر البيت نظل داخل هذا المكان الضيق والكلاسيكي في ملامحه نتابع تلك العلاقة بين الحبيبين.. السيناريو كتبه المخرج ليس على الطريقة البوليسية من أجل التشويق وزرع تساؤل عن من الجاني ولكن تلك الجريمة برهافة إحساس المخرج وقدرته على بناء السيناريو لم نتذكرها إلا مع ارتكاب البطل لحادث القتل لتستحوذ علينا الحكاية العاطفية بكل تفاصيلها وتداعياتها!!

الإحساس العاطفي بين الزوجين العجوزين لم يتوقف، يتناولان الإفطار ونلحظ أن المرأة غابت لحظات عن الوعي وعندما تسترده تكشف أنها عادت للمنزل بكرسي متحرك ويصبح على الزوج أن يتولى رعايتها.. تتدهور الحالة وتفقد قدرتها على الحركة وتفقد أيضًا ذاكرتها ويقدم المخرج مشهدا عميقا الدلالة للزوج وهو يخشى من فقدان الذاكرة فيبدأ في تدوين حياته وحياتها على الورق وتزداد الزوجة تعثرًا في النطق ويلمح الزوج رغبتها في الموت يضع الوسادة على رأسها حتى ينهي حياتها.

الفيلم لا ينتهي هنا ولكن نعيش الحلم مع الزوج عندما يرى في منامه زوجته في المطبخ وهما في طريقهما لمغادرة المنزل وكأن المخرج يريد أن يحقق للمتفرج نهاية سعيدة لم تحدث على الشريط السينمائي.

الكاميرا لم تغادر المنزل إلا في مشاهد نادرة واحدة في المسرح وأخري أمام باب الشقة ولكن يظل المنزل هو البطل المسيطر على الإحساس العام.. الكاميرا غادرت فقط المكان شكليًا عندما انتقلت على الحائط لنري اللوحات التشكيلية وكأنها تفتح أمام أعيننا مجالات للرؤية ولكن يظل المنزل على ضيقه الموضوعي قادرًا على أن يمنحنا مساحات رحبة من التأمل.

المكان هو بالتأكيد أحد عوامل تفرد السينما بل إنها تلعب دائمًا بهذا السلاح الذي تمنحه لها الكاميرا ورغم ذلك نشهد في العالم تجارب نادرة لأفلام تقيدت بالمكان وانطلقت لما هو أبعد مثل فيلم للمخرج البريطاني سيدني لوميت "اثنا عشر رجلًا غاضبًا" الحائز على الأوسكار قبل نحو 60 عامًا جرت أغلب أحداثه في غرفة المحلفين أثناء نظر قضية أمام المحكمة.. كما أن المخرج "صلاح أبو سيف" قدم فيلم "بين السماء والأرض" وأحداثه داخل المصعد.. الضرورة الدرامية هي التي تحدد الرؤية في النهاية ولكن على المخرج أن ينطلق بخيال الجمهور وأن يزيد من جرعات التأمل ليشعر المتفرج أنه بقدر ما أحكم القيد على المكان بقدر ما شعر برحابة الفكر الذي يحمله العمل الفني.

العمل الفني الرائع من حقه أن يتطلع للجائزة الفيلم بدأ بجثة وانتهى بجريمة ولكن ما تبقى في وجداننا هو حالة حب أفضت إلى قتل.الفيلم الثاني الذي سكن مشاعري في هذه الدورة الفقيرة فنيًا من عمر المهرجان هو الفيلم الروماني "خلف التلال" للمخرج "كريستيان مونجيو".

 ما هي التلال إنها ربما تلك التي تحجب الرؤية أو ما نعتقد أننا نخفيه بعيدًا ثم بعد ذلك نقترب لنكتشف الحقيقة.. المخرج "كريستيان مونجيو" الحائز على جائزة سعفة "كان" قبل خمس سنوات بفيلمه "4 شهور و3 أسابيع ويومان" عاد مجددًا إلى المهرجان مستكملًا الحالة الإبداعية التي يحرص على التقاطها ويمزج  فيها بين الواقع والرؤية الدرامية والعمق الفكري والفلسفي.

كيف نرسم ملامح العمل الفني هل الواقع نحصل عليه كما هو أم نعيد تأمله.. الواقعة حقيقية فتاة ذهبت للدير لكي تعيد صديقتها حيث أنهما تزاملتا في دار الأيتام ولكن هذه الفتاة ينتهي بها الأمر بأن قتلت من فرط التعذيب داخل الدير وصارت قضية رأي عام قبل سبع سنوات في رومانيا وقدمت عنها عشرات من الكتب ومئات من التحقيقات الصحفية.

هذه المرة المخرج هو الذي عايش كتابة السيناريو كل هذه السنوات السبع حرص على أن يكتب السيناريو عدة مرات واختصر من فيلمه بعد التصوير نحو 30 دقيقة.. الواقعة مادة خام لكنها لا يمكن أن تضمن عملًا سينمائيًا متفردًا هناك بالقطع شيء أبعد بكثير وأهم وهو زاوية الرؤية.

لا يمكن أن ننظر للفيلم باعتباره ينتقد دين ولا طقوس متعلقة بطائفة ولا الرهبنة في الديانة المسيحية ولكنه يتناول من يرددون كلمات الله وهم لا يحملون في أعماقهم روح التسامح.. من قتل هذه الفتاة حتى ولو رأيت أنها خاطئة هم القساوسة والراهبات الذين نفذوا التعليمات القاسية بحبسها وتقييدها بالجنازير رغم أنهم كانوا يقرءون عليها كلمات من الإنجيل يطلبون لها الهداية والتقوى والرحمة!!

السيناريو يشير إلى علاقة مثلية جمعت في الماضي بين فتاتين واحدة تذهب للدير لكي تتطهر وتلحق بها الأخرى لكي تعيدها إلى حياتها السابقة.. الفتاة الأولي عرفت الطريق إلى الله وتتشبث بالإقامة في الدير وتلجأ كلما شعرت بالضعف البشري للصلاة وتدعو صديقتها للدخول أيضًا لحياة الرهبنة وتبدأ رحلة المعاناة.. القلوب التي ننتظر منها فيض الحب والرحمة تقسو ولا تعرف سوي أن الإنسان يجبر على الإيمان وهكذا يتم حبس هذه الفتاة المتمردة في غرفة داخل الدير وعندما تثور يوجه لها قدر لا يحتمل من العنف والغلظة والذي يمارس ذلك هم من منوط بهم حماية أرواح الناس وهدايتهم.. وتذهب الفتاة للمستشفي على إثر التعذيب ولا يجدون أمامهم سوي أن نري الراهبات بعد أن تحولن إلى قطيع سرت بهن روح العدوان وتخلين في لحظة عن الإحساس البشري وهن يصنعن وسائد خشبية تُثبت عليها مسامير ليزيد العذاب والغريب أنهن تفعلن ذلك وهن تقرأن آيات من الإنجيل.. يوثقون يديها وقدميها بالجنازير ولا يتوقفون عن ترديد الآيات المقدسة.. تموت الفتاة من فرط التعذيب ويقدم القسيس والراهبات للتحقيق عما فعلوه باسم الدين.

هل الفيلم يتحدث عن دين ما.. لم أشعر بأنه ينتقد طقوس المسيحية بقدر ما كان الهدف أنه يتناول الأديان جميعها عندما يتصور البعض أنه يردد الكلمات ولا يدرك معناها يخلص لمنطوق الكلمة ولا تمس قلبه معانيها!!

يختار المخرج اللحظة التي تأخذ الشرطة فيها القسيس وعدد من الراهبات للتحقيق وتتعثر العربة في الطريق لتضع نهاية الفيلم لنستكمل نحن في أعماقنا الفصل الأخير.. الحقيقة أن أضعف قسم شهد أفلام متواضعة في مهرجان "كان" هو المسابقة الرسمية التي هي عنوان المهرجان بينما كانت أقسام مثل "نظرة" وكذلك الفعاليات الأخرى التي تقام على الهامش مثل "أسبوعي المخرجين" و"أسبوع النقاد" هم الأقوى والأكثر جاذبية!!