EN
  • تاريخ النشر: 27 ديسمبر, 2011

مهرجان دبي والسينما الخليجية

د. خالد الخاجة

د. خالد الخاجة

دعوة إلى كل المبدعين في الإمارات لبدء صناعة سينما إماراتية متمنيا اليوم الذي ينافس فيه الفيلم الإماراتي في دور العرض

  • تاريخ النشر: 27 ديسمبر, 2011

مهرجان دبي والسينما الخليجية

(د. خالد الخاجة) يخطئ من يظن أن تاريخ الشعوب يكتبه المؤرخون، الذين تتلوّن كتاباتهم أحيانًا بلون أقلامهم وميولهم، وأن أحوال الأمم تحتويها أوراق أو وثائق تقبع على أرفف المكتبات، والتي قد تفسر تفسيرات متعددة؛ لأن الوثائق ذاتها حمالة أوجه. إلا أن هناك شكلًا آخر من كتابة أحوال الأمم قد يتجمل أحيانًا لكنه لا يكذب، وهو ما يقدم عبر الصورة السينمائية التي لا تحتمل غير الصدق، لأن الرؤية هي الحقيقة كما يقول المثل الإنجليزي.

ولقد عاشت دبي منذ أيام قلائل عرسًا سينمائيًا من خلال مهرجان دبي السينمائي الدولي، الذي حفر لاسمه مكانًا وسط أهم المهرجانات العالمية، وأصبح حاضنًا للمبدعين العرب وغير العرب في مجال الفن السابع وهو الفن السينمائي، الذي يمثل يوميات حال الأمم. هذه الاحتفالية تضيف لبلادنا رصيدًا نوعيًا كمركز إشعاع فكري وثقافي، كما تفعل مدينة الإنتاج الإعلامي بدبي، التي تمثل كل أصوات الكرة الأرضية، تنبعث من على أرض الإمارات لتخاطب عالمًا واحدًا.

وفي كل مرة ينعقد مهرجان سينمائي على أرض بلادنا، سواء في أبوظبي أو دبي، تهاجمني جملة من الأفكار أتخلص منها أحيانًا بقليل من المبررات عبر ما يسمى بحديث النفس، ثم ما تلبث أن تلاحقني عند نهاية المهرجان، وهي: أين السينما الروائية الخليجية بصفة عامة والسينما الإماراتية على وجه الخصوص من الولوج في حقل المنافسة العربية والعالمية حتى الآن؟ ولماذا لم نخطُ خطوات واسعة في مجال الفن السينمائي على مستوى القفزات نفسها التي حققناها في مختلف المجالات؟ بوصفه مجالًا من أهم المجالات لخدمة الوطن، بل يفوق في خطورته العديد من المجالات؛ لارتباطه بتكوين العقل، وتزكية النفس، وترقية الفكر، وتهذيب السلوك، وتثقيف الفرد والأمة...

وإذا كانت دول عربية -مثل مصر- احتفلت منذ ما يقرب من خمس سنوات بمرور مئة سنة على صناعة السينما، التي ترافقت انطلاقتها الحقيقية على أيدي اقتصاديين وطنيين أمثال "طلعت حربصاحب فكرة إنشاء "بنك مصروهو من أنشأ ضمن مشروعات البنك "ستوديو مصرالذي صورت فيه أهم الأفلام في تاريخ مصر الحديث، لتبدأ في لعب دور كبير في تحديد أهم ملامح الشخصية الوطنية والعربية، كما بدأت مرحلة من التأريخ المرئي لأهم الأحداث والتغيرات التي شهدتها المنطقة العربية.

والنقطة الفاصلة التي جعلت المصريين يأخذون بزمام السينما المصرية بأيديهم بعد حادثة شهيرة قام بها مخرج إيطالي، حيث ظهرت، في أحد لقطات أفلامه، صورة تحوي آيات من القرآن الكريم معلقة على الحائط بشكل مقلوب، وسواء أكان هذا بقصد من المخرج أم بغير قصد، إلا أنها كانت الشرارة التي جعلتهم يأخذون زمام المبادرة السينمائية، وانطلقت البعثات الخارجية لتتعلم فنون السينما التي تختلف في أدواتها عن الفن المسرحي الذائع آنذاك.

وفي يقيني أن مشاهدة فيلم سينمائي واحد قد يفوق في تأثيره ألف مقال في جريدة؛ لأن السينما صناعة لا تقل في أهميتها عن أية صناعة استراتيجية، ولأن منتجها يصدر، ويخلد، وليس له تاريخ محدد تنتهي فيه صلاحيته، بل هو كالمعدن النفيس تزداد قيمته كلما مرت عليه الأيام.

ولأنها كذلك رحلة الآلام، التي مرت بها بلادنا، وما بذل من عرق ودماء في سبيل الاتحاد كي ننعم بما نحن فيه الآن، ومسيرة العطاء لم تأخذ ما تستحقه من مكانة في الذاكرة المرئية للأجيال الجديدة من أبناء الوطن، فضلًا على أبناء الأمة العربية والعالم، ولأن بناء الأوطان في قيمته التاريخية يفوق حتى أشرف التجارب التحررية التي قامت في العالم، من هنا أتساءل: إلى متى تظل دور السينما في بلادنا تعج بمختلف ألوان الفنون السينمائية، ويرتادها أبناؤنا ولا تخلو إلا من الفيلم الخليجي، الذي يعبر عن ثقافتنا وقيمنا وبيئتنا وناموس حياتنا برؤية يقدمها أبناؤنا؟ مما يذكرني بقول الشاعر:

أَحَرامٌ على بلابله الدَّوحُ *** حلالٌ للطَّيرِ مِن كُلِّ جِنسِ

ثم كيف ننادي ليل نهار بالحفاظ على الهوية الوطنية ونحن نغفل أداة من أهم أدواتها وهي الفن السينمائي الأكثر تأثيرًا ووصولًا إلى عقول وقلوب الشعوب جميعًا؟ والشاهد أنه بالرغم من تعدد الأشكال الجديدة من وسائل الإعلام والقنوات المتخصصة في الأفلام والدراما إلا أن السينما ما زالت وستظل باقية لقوة تأثيرها، وهذا إن دل فإنما يدل على الشعبية التي تحظى بها هذه الوسيلة، التي تملك تاريخًا عريقًا، وتنتظر مستقبلًا مشرقًا.

إنني أدعو أن يكون هناك معهد للفن السينمائي والمسرحي في بلادنا، يخرج لنا كوادر تحمل قضية وطنها، وتنبه عقول أبنائه من طوفان التغريب من كل حدب وصوب، وتفتح آفاقًا رحبة للموهوبين من أبنائنا، مع استقطاب كل العناصر المبدعة والكفاءات العربية المخلصة، فالإبداع ليس له وطن.

إن أحدًا لا يمكن أن ينكر دور دولتنا المعطاء في دعم الدراما العربية الهادفة بصفة عامة والدراما الخليجية على وجه الخصوص، والتي بدأت تدخل على خط المنافسة بقوة، وهذا يدفعنا لطلب المزيد في الاتجاه ذاته نحو السينما الروائية برؤية وطنية خالصة، سينما تمتع ولا تخدّر، توثق تاريخ الوطن وتحفظ تراثه بصورة مرئية يتعلمها الأجيال، ويقصها الآباء على أبنائهم في أوقات السمر، سينما تخاطب العقول والمشاعر النبيلة ولا تثير الغرائز، سينما شعارها تثقيف العقل وترقية الفكر، لا الفن للفن، تضحك دون أن تبتذل، وتبكي دون أن تغضب، سينما تعزز قيمة الإنسان دون النظر إلى دينه أو لونه أو عرقه، تساعد في استكمال مسيرة التنمية ولا تجعل من ضربات الحظ ثقافة تتبناها الأجيال القادمة.

وإنني، من منطلق وطني، أوجّه الدعوة إلى كل المبدعين في بلادنا -وهم كثر- لأن نرى في القريب العاجل بداية أصيلة للسينما الإماراتية بالنكهة الإماراتية. وفي يقيني أننا كما أبهرنا العالم بتجربتنا التنموية خلال سنوات معدودة، حققنا فيها ما لم يحققه غيرنا خلال قرون، سنفعل الشيء ذاته وستحقق السينما الإماراتية الإنجاز نفسه خلال مدة قياسية، ليأتي اليوم الذي ينافس فيه الفيلم الإماراتي في دور العرض، ويقبل أبناؤنا عليه، بدلًا من تركهم على موائد غيرنا لأننا لم نقدم لهم البديل. وأنا على يقين أن لدينا كفاءات قادرة على فتح مغاليق هذا الباب، فضلًا عن قيادة تؤمن بدور الفن الجاد والراقي في تاريخ الشعوب

* نقلا عن البيان الإماراتية