EN
  • تاريخ النشر: 12 نوفمبر, 2011

من اليوتيوب إلى المهرجانات.. ماذا حل بالسينما؟

fan article

طارق الخواجي

التأكيد على أن فوز عدد من الشباب السعوديين بجوائز وشهادات تقدير في عديد من دورات المهرجانات السينمائية يعكس التقدم الجيد في ظاهرة طفرة السينما في الأوساط الفنية السعودية

(طارق الخواجي)     لا شك أن فوز عدد من الشباب السعوديين بجوائز وشهادات تقدير في عديد من دورات المهرجانات السينمائية في الخليج وبالتحديد في الإمارات العربية المتحدة عبر مهرجان الخليج السينمائي في دبي ومسابقة أفلام من الإمارات ضمن مهرجان أبو ظبي السينمائي، يعكس التقدم الجيد في ظاهرة طفرة السينما في الأوساط الفنية السعودية والتي لا يسعني التعبير عنها سوى بالفطرة، لأنها ما زالت خارج نطاق الإنتاج المؤسسي وما زالت تحبو رغم اشتداد العضلات في بعض أطرافها إلا أنها ما زالت تحبو وإن كثر الحديث حول الفوز والنجاح هنا وهناك. إن المتابع لمسيرة هذه الظاهرة يلاحظ أن هناك العديد من التحولات السلبية التي تشاهدها ظاهرة السينما السعودية، والتي تبدو متناقضة مع التقدير الواضح لمعظم تجارب الشباب من خلال جمهور عريض سواء من عبر المهرجانات أو عبر جمهور الإعلام الجديد في الشبكات الاجتماعية والتفاعلية مثل اليوتيوب والفيسبوك والتوتير، لكن هذا التناقض العجيب لا يخفي في عباءته القاتمة سوى انعكاس واضح لتدني ثقافة الصورة في مجتمعنا الخليجي تحديداً لأنه المعني بالمقال، وهذا التدني البارز والذي سأوضح من خلال المقال المعطيات التي تجعلني قادراً على طرح مثل الحكم القاسي، لا يهتم كثيراً بالاحتفال الغريب بتأثير الصورة على جمهور الشباب والمراهقين وبخاصة في المجتمعات التي باتت الإنترنت فيه، تشكل مؤشراً غائراً في العمق عما يسير الرأي العام ويحرك مشاعر الجموع، فمن خلال هذا الاحتفال غير المسؤول وغير المقنن، تنطلق التزكيات في مسار مدح الفكرة التي يقوم عليها العمل والرسالة التي يدعو إليها، وبعد المرور في طقوس المديح والتقديس التي يتقنها مجتمعنا جيداً، يبدأ سيل الإرهاب الفكري والتطرف في التعامل مع الانتقادات التي يواجهها العمل في بنيته أو الشكل الذي عالج المضمون الذي قد نتفق عليه جميعاً، ومن هناك تظهر فداحة تدني ثقافة الصورة والتي كرسها بعض من ينتسبون للأوساط الفنية في السعودية، ولعلي أضرب مثالاً جيداً بالسينما والتصوير الفوتوغرافي كونهما يضجان بالحركة مؤخراً.

 

ربما يتساءل البعض عن التقدير النقدي الذي حظيت به بعض الأعمال السعودية مؤخراً في مهرجانات خليجية شقيقة، وهو تساؤل محرج لا أظن أحداً من المهتمين بالسينما هنا يستطيع أن يجد له جواباً مع الضعف الواضح جداً في بنية الأفلام على صعيد المفهوم السينمائي أو على مستوى المعالجة الفنية للفكرة التي يناقشها الفيلم، سوى أن مستوى أفلام تلك المهرجانات ليست من النوع الذي يصقل المواهب السينمائية الشابة أو المخضرمة التي تشارك فيها، أو أن هناك خللاً في الميزان النقدي الذي تمارسه لجان التحكيم تلك، وخروجاً عن الاتهامات، فما نقصده هنا أن مثل هذه التساؤلات على علاتها تبدو مسوغة ومتفهمة بقدر التهالك الكبير الذي تعانيه التجربة السينمائية السعودية عند النظر إليها بشمول لا يجزأ الأعمال لمخرجين شباب شرفوا تلك التجربة في المحافل السينمائية بما يجعلنا فخورين بهم، ودون ذكر أي أسماء فإن هؤلاء الشباب هم الأكثر تضرراً من مثل هذه المهرجانات وهذا التكريم الذي يقدم لزملائهم في المهنة، فبغض النظر عن الاستحقاق فإن ذلك يبدو كمؤشر جذب لهم في التنازل عن جودتهم وتسويق الأفكار المثيرة والأعمال السطحية بغية الحصول على جائزة أو شهرة لحظية، لا سبيل لمنع الحماس لها سوى التجربة المحنكة والهدف الواضح الذي رسمه المخرج الشاب ووضعه نصب عينيه بوضوح منذ اللحظة التي حملها فيها الكاميرا للتصوير.

 

اليوتيوب هو الآخر قناة مفتوحة ولكن باتساع مطلق، فهو يستقبل كل شيء ضمناً، وعليه فيمكن لأي شخص أي يقوم بأي عملية تصوير بالسنارة الصحيحة لأي موضوع له هاجس جمعي، لتتحول تلك العملية مع القليل من العناصر الفنية مثل السيناريو والموسيقى التصويرية، إلى فيلم، ثم يقوم الأتباع أو المريدون أو المطبلون في قنوات التواصل الاجتماعي الإليكترونية في الفيسبوك أو التويتر، بالقفز على كل الجدل حول "فليميته" من عدمها إلى جعله الفيلم الأفضل في التجربة السينمائية السعودية، وليصل إلى ما لم يكن يحلم به صاحب العمل أو المشاركون الذين تحولوا بين ليلة وضحاها إلى نجوم تستقبلهم الفضائيات ووسائل الإعلام العربية والعالمية، في تجاذب مختلف يسقط من حساباته التدمير المبطن لمفهوم السينما الذي تسلق الجميع عليه في تسوية قضايا اجتماعية أو سياسية، لتختلط مفاهيم الصورة وتتدنى ثقافتها ويبرز الشعبي بمفهومه السطحي الظاهري، ويسقط النخبوي بمفهومه النوعي العميق، وعلى ضوء ذلك الظلام الفني والمعرفي فإن كل أطروحات النقد ستصهر وتجير في اتهام واحد بصور متعددة من الحسد وعداوة النجاح والغيرة والإفلاس، وهو في ذلك ليس بجديد وإنما حال مكرور في صحراء الفن العربية الجرداء إلا من مواسم خصب تعلمنا الاستغراق في التمجيد دون ممارسة المجد في عملية مستمرة من عدم الابتكار والتجديد والمحاولة وتكرارها.

 

هنا يمكننا أن نتساءل أين هم النقاد، وهم باعتقادي فريقان، أبرزهما غائب لا يدري ما يحدث حوله من تغييرات، ويمارس حركته ذاتها التي غبر عليها الدهر، وبين آخر أفزعته القوة التي يحملها صوت الشباب المتحمس في القنوات الأكثر تأثيراً من وسائل الإعلام الجديد المختلفة، وهو في ذلك يمارس دوراً لا يستهان به في استمرار هذا الانتهاك لفن الصورة التي عول عليها الكثيرون وما زالوا لإيمانهم بأن هناك من شبابنا من يحمل العديد من الأفكار المدهشة، ومع وجود تقنيين مميزين وهم كثر ولله الحمد، فإن دائرة الضوء تبحث عن مستقر لها في مؤسسة ربما تفهم الإنتاج السينمائي من حيث أنه تجارة وفن وليس تجارة فقط، بيد أن دائرة التخاذل والتراجع تكبر، والمفاهيم تدجن وتنداح وتختلط في معارك تيارات لا تعنيها قيم الفن بقدر ما يعنيها الانتصار في حرب وهمية لا معنى لها.

 

(*) نقلا عن صحيفة الرياض السعودية