EN
  • تاريخ النشر: 06 أكتوبر, 2011

فرانسوا أبو سالم في ذاكرة النسيان

جمال عياد

جمال عياد

رثاء الكاتب والممثل المسرحي الفلسطيني فرانسوا أبو سالم الذي مات منتحرا

يجب أن لا تمر حادثة انتحار فرانسوا أبو سالم، مرور الكرام، بخاصة أن هذا الحدث يجيء في سياق استيقاظ الشعوب العربية، على وقع انتحار التونسي «بوعزيزي» محترقاً، فخطوة أبو سالم هذه، الموت انتحاراً بالسقوط من بناية مرتفعة، تستند إلى قرار واعٍ أعدّ له مسبقاً كما بات محسوماً، إذْ سبق له أن قام بمحاولات سابقة في هذا المضمار، منها تناول كميات كبيرة من الأدوية، لكنها لم تكن كافية لإطفاء جذوة الحياة في جسده.

ما الذي جعل مسرحياً بوزن «أبو سالم» (1951 – 2011) يقْدم على فعلته هذه؟ لا بد من البحث عن الأسباب والدوافع التي تجعل مبدعاً يلج طريقاً من هذا النوع، ومنها بلا شك الأجواء الضاغطة على الواقع الفلسطيني الملتبس، وبخاصة تمزق جبهته الداخلية.

كما لا بد من معرفة سبب اختياره رام الله مكاناً لإنهاء حياته بـ «إرادته الحرة»، وهو اختيار ينطوي على تأويلات لا حصر لها. لكن المؤكد هنا أن «أبو سالم» أراد أن تفيض روحه مع نسائم رياح «الربيع العربي».

وقد كان لمسرحية «أبو سالم» الأخيرة «في ظل الشهيد»، التي عُرضت في رام الله والقدس وبيروت، دورٌ في تعميق حالة الإحباط لديه نتيجة الأجواء السياسية والثقافية السائدة، ذلك أن أصدقاءه في المدن التي عُرضت المسرحية فيها، لاحظوا «كآبة غير عادية» رافقته مع تقديم العروض، بخاصة أن المسرحية تغوص في عوالم المكلومين من الفلسطينيين، وتكشف زوال قناعته بأن الحل السلمي يمكن أن يعيد للفلسطينيين حقوقهم، فضلاً عن أن الشخص الأخير الذي تحدث معه «أبو سالم» قبيل إقدامه على الانتحار، كان شريكته وصديقته في تأليف هذه المسرحية «باولا فونفيك»، التي حاولت تنبيه صديقه المسرحي عامر خليل، إلى ما سيفعل، لكن «أبو سالم» كان هذه المرة متيقناً من صواب قراره، لذا ضلّلَ الجميع بذهابه إلى عمارة أخرى مجاورة لعمارته الشاهقة، لكنها كانت الأعلى، ربما ليتأكد من أن هذا العلو كفيل بإنجاح ما عزم على فعله، وليرتوي بصره بأكبر مساحة من ذلك الفضاء الإنساني الذي أحبّ.

لـ «أبو سالم» تجارب مسرحية كثيرة، لكن رائعته «ذاكرة للنسيان» تتمتع بحضور خاص في ذاكرة من شاهدها، وهي مونودراما عُرضت على مسرح العرائس في القاهرة ضمن التظاهرة العالمية لمهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي في دورته العشرين، كما عُرضت على مسرح القصبة برام الله، ومسارح مختلفة في مدن عربية وعالمية، وقد أُخذ متن العرض عن قصيدة للراحل محمود درويش تحمل الاسم نفسه.

المسرحية التي طرح «أبو سالم» محمولاتها الدلالية ممثلاً، يتأسّس الأداء فيها ضمن حيز بين جدارَين (ممرفي إحدى ضواحي بيروت في أغسطس/آب 1982، خلال حصار الجيش الإسرائيلي المقاومةَ الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية في بيروت، وكان درويش ممن وقع عليهم الحصار، فجسدت المسرحية تأثير ذلك في نفسية الشاعر عندما استفاق في الهزيع الأخير من الليل على صوت القصف. هنا يتجلّى الصراع وفق مستويين: ظاهري، وداخلي.

تمثّل المستوى الأول في استمرار القصف ومحاولة شخصية درويش الإبقاء على نفسها حية؛ بينما كمُنَ الصراعُ الداخلي في تحمّل درويش وقعَ القصف والدوي المخيفين، وإصراره على صنع فنجان قهوة، رغم الظروف التي أحالت غرفته إلى كومة من الأشياء المتناثرة هنا وهناك، بخاصة كتبه وكراريسه التي بدت في إطار العرض بطلاً من لحم ودم، يشهد، بطريقته الخاصة، على حمم الحقد التي انصبّت على بيروت.

يتمظهر إنجاز «أبو سالم» في قدرته على الارتقاء أدائياً إلى مستوى من الفهم العميق للمتن الشعري لدرويش، ومن ثم في القدرة على طرحه وفق فضاء مسرحي، مفعم بالرموز والدلالات، فتميز العرض بالصور الشعرية الجميلة والأخّاذة التي تضمنتها الحوارات والحكايات السردية العميقة، بما عزّز التوتر ونقلَ للمتلقي الحالةَ النفسية لدرويش، في شكل مؤثر، بخاصة تلمُّس «أبو سالم»، باقتدارٍ وعمقٍ، الحالاتِ الشعورية المتعددة والمتناقضة التي عاشها الشاعر في تلك اللحظات.

بني أبو سالم المسرحية وفق تعاقب زمني بين الحالات والمناخات، وتمثلت روعة الأداء الحواري في مصاحبته لأداء جسدي غنيّ بالعلامات الدلالية، من مثل استرخاء «أبو سالم» وهو يبحر بخياله بشخصية درويش، ليعود إلى قريته بالجليل ويستطلع ثنايا «واد النسناس»، ويسقي الشجرات العطشى في حديقة منزله قبل أن ينام على مصطبة داره هناك. ثم عودة التوتر إلى حواسه مرة أخرى، في السياق الواقعي للأحداث، على وقع القصف وهو يحاول صنع قهوته التي أصبح إعدادها واستنشاق نكهتها في ذلك الهزيع من ليالي بيروت المنكوبة، تحدّياً بين إنسانية شخصية درويش واستمراره في الحياة، وبين وحشية القصف الذي كان يدمر البناية تلو الأخرى، ويزلزل الأرض ويصمّ الآذان. يكسب درويش التحدي في النهاية، وينجح في صنع قهوته.

انفرد أبو سالم في الأداء التمثيلي في المسرحية، مساهماً في شكل كبير في تجسيد الحالات السيكولوجية المتوترة، التي تنوعت بين التأزم والاسترخاء، وفي شكل متناوب.

وقد انثالت النداءات الخفية للنص كاشفةً عن قيم وجودية طرحت أسئلة كبرى حول معنى وجود الإنسان في «الحظيرة البشرية» التي تستمر صيرورة بقائها وإنشاء خرائط جغرافيتها بالصراع الدامي الذي تخلفه حروبها الملعونة التي غيّبت شعوباً عدة عن التاريخ الإنساني، وهي تحث الخُطى الآن لإخراج الفلسطينيين من مضمار هذا التاريخ، وهكذا بحسب الحوارات: «يطالب الإنسان إلى قبول استثنائه من الحقوق ليتدرب على التحرر من داء نسيان الوطن»، و «فضلاً عن هدير الحياة اليومي الذي تفرزه أزمة اللاأخلاق الطبقية التي تلفظه في الشوارع غير معترف به حتى لا ينسى حماه، عليه أن يعمل خادماً كي لا ينسى أن له مهمة وطنية، ويُمنع من التوطين كي ينسى فلسطين».

ومن نجاحات «أبو سالم» في هذا العرض، قدرته على تجسيد الإرهاصات التي تمور في داخل درويش الشاعر لجهة نزوعه تماماً إلى مغادرة المباشرة أثناء صوغ متنه الشعري. ورغم هيمنة الحدث الصادم المباشر المروع بفعل التفجيرات المحيطة به من القنابل التي واصلت الطائرات الإسرائيلية قذفها، على حواسه ووجدانه، إلا أنه ظل محتفظاً بقيمه الإنسانية وقابضاً عليها، مبتعداً عن فخ الآخر الذي يريد تحويله إلى كائن ظلامي حاقد وكارِه لنفسه أولاً، وللآخرين ثانياً، فحلّق بجناحَي نسر إلى أعالي القيم الإنسانية ليؤكد أن الفضاء الفلسطينيي المستنير سيظل حاضراً في التاريخ والحضارة البشرية.

تجيء «ذاكرة النسيان»، بعد أن عرضت مسرحية «الجدارية»، المستلهمة كذلك من قصيدة لدرويش تحمل الاسم نفسه، من إخراج نزار زعبي، وقد عُرضت «الجدارية» في عواصم عربية وعالمية، محققاً هذا النوع من المسرح «الدرويشي» علامة فارقة في المسرح العربي الحديث، نظراً إلى استنادها إلى الفضاءات الفلسفية التي ميزت إبداع درويش.

أعد عرض «ذاكرة للنسيان» نزار زعبي وفرانسوا أبو سالم، وأخرجه فرانسوا أبو سالم وعامر خليل، صمم الديكور نزار زعبي، هندسة الصوت والإضاءة فيليب أندرييو، وإدارة حسين نخلة.

* نقلا عن الحياة اللندنية