EN
  • تاريخ النشر: 03 نوفمبر, 2011

سينما.. تصنع الحياة

fan article

fan article

الكاتب يتحدث عن فيلم "الجوستو" الذي عرض في خلال مهرجان أبوظبي، ويرى أنه يحقق مفهوما جديدا في السينما التسجيلية، يتجاوز دورها البناء، في التعبير عن قضايا المجتمع والناس، والوقوف إلى جانب المظلومين وهجاء الطغاة.

أكاد أقول إنه الفيلم الوحيد، في مهرجان أبو ظبي، الذي لم يختلف عليه اثنان، ذلك أنه نجح بجدارة، في لمس أوتار القلوب، ولفت الأنظار إلى مناطق في التاريخ والفن والنفوس البشرية، تستحق التأمل والإحياء، والبقاء، قبل أن تغمرها ظلال النسيان.

والفيلم، في الوقت نفسه، يحقق مفهوما جديدا في السينما التسجيلية، يتجاوز دورها البناء، في التعبير عن قضايا المجتمع والناس، والوقوف إلى جانب المظلومين وهجاء الطغاة.. إنه، بفضل دأب وقوة وعزيمة مخرجته الشابة، صافيناز بوصبايا، المتمتعة بحس إنساني رفيع، قدم ما يمكن أن تسميه، من دون مغالاة، مساهمة في صنع الحياة.

عنوان الفيلم قد يكون غريبا، «الجوستو»، وهى كلمة تطلق على نوع من الموسيقى الشعبية الجزائرية، تمزج بين الموسيقى الأندلسية والبربرية والفلامنكو والمدائح النبوية، تصهرها جميعا في بوتقة واحدة لتتبلور في أنغام «الجوستو»، المعزوفة على آلات شرقية، بإيقاعاتها المعتمدة على الطبلة والرق، تصدح معها أصوات بشرية مترعة بمشاعر المحبة والبهجة والحنين والألم.. وصلت «الجوستو» إلى قمة ازدهارها في الأربعينيات والخمسينيات، بفضل الفرقة التي كونها «الحاج محمد العنقاء» ثم -للعديد من العوامل- بدأ تدهور الفرقة عقب وفاة «العنقاء» وتشتت أفرادها، ومع العقود الأخيرة الدامية -في الجزائر- أفلت موسيقى «الجوستو» نفسها.

صافيناز بوصبايا، المولودة في الجزائر، درست في سويسرا وإنجلترا، وتخصصت في هندسة المعمار، حققت من قبل فيلمها التسجيلي «الأولاد المجهولون»، و«الجوستو» هو عملها الثاني، جاءتها فكرته إبان زيارتها لمسقط رأسها عام «2003»، ففي أثناء شراء مرآة قديمة، تعرفت إلى صاحب الدكان العجوز، الذي حدثها حديثا خلابا عن «الجوستو»، والفرقة ذات الصيت الواسع التي كان أحد أعضائها.. وبدأت صافيناز مشوارها الطويل.. المضني.. الممتع في البحث عن بقايا أعضاء الفرقة الذين لم يغيّبهم الموت، ولكن فرّقتهم الأيام، بعضهم تاه داخل البلاد، وبعضهم -من اليهود- رفض الذهاب إلى إسرائيل وأقام في فرنسا.

يعتمد الفيلم في بنائه على مرتكزات راسخة: مادة أرشيفية ثرية، صور فوتوغرافية لأعضاء الفرقة أيام الشباب. مشاهد لمواجهات دامية بين الثوار وقوات الاحتلال، لقطات لحى القصبة العتيد، وتأتى هذه الشذرات مع الذكريات الحميمة لهؤلاء الذين أحبتهم المخرجة، فبدت وجوههم -بما تحمله من آثار الزمن- ساحرة على الشاشة.. هنا يمتزج الخاص بالعام، والماضي بالحاضر.. لكن الفيلم يتجه بثقة وثبات نحو المستقبل، فالتدريبات لا تتوقف طوال سبع سنوات، وها هي السفينة تحمل قدامى العازفين والمغنيين من الجزائر إلى فرنسا كي ينضم لهم زملاء الأيام الخوالي، تتواصل البروفات، وتدب روح الشباب فيمن تجاوزوا السبعين، وتتلألأ العيون المنهكة بالأمل والإشراق، فآفاق المستقبل مفتوحة.. وأخيرا، تأتى لحظة الميلاد الجديد: الفرقة كاملة، مكتملة تقدم «الجوستو» على أكبر مسارح مارسيليا وباريس، ومع تحية حارة من جمهور مفتون بما شاهده، يحتضن أعضاء الفريق، ابنتهم، صافيناز، التي منحتهم.. قبلة الحياة.

 

نقلا عن صحيفة "الشروق" المصرية