EN
  • تاريخ النشر: 31 يناير, 2010

"كلمني شكراً" أحدث أفلامه المثيرة للجدل خالد يوسف.. سقوط الأقنعة

بعض النقاد يتهمه بأنه جعل من العشوائية والفساد واجهة لمصر في أفلامه.

بعض النقاد يتهمه بأنه جعل من العشوائية والفساد واجهة لمصر في أفلامه.

عندما تستمع إليه، وهو يقتبس من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية مدافعاً عن وجهة نظره، أو مفتتحا المؤتمر الصحفي لفيلمه السابق (دكان شحاتة) بالآية القرآنية "فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ" ".. فسوف تصيبك الدهشة مما يصفه بعض النقاد بتستر المخرج المصري خالد يوسف خلف رداء الصالحين، ذلك أن غير واحد من النقاد يقول إنه لا يصلح أن يرتدي عباءة الواعظ الديني أو المصلح الاجتماعي، ولا حتى أن يكون طبيباً يضع يده على جروح بلده، وآلام مواطنيه، والدليل على ذلك أفلامه العشرة التي أخرجها، وكلها لا تخلو من إثارة للجدل.

  • تاريخ النشر: 31 يناير, 2010

"كلمني شكراً" أحدث أفلامه المثيرة للجدل خالد يوسف.. سقوط الأقنعة

عندما تستمع إليه، وهو يقتبس من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية مدافعاً عن وجهة نظره، أو مفتتحا المؤتمر الصحفي لفيلمه السابق (دكان شحاتة) بالآية القرآنية "فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ" ".. فسوف تصيبك الدهشة مما يصفه بعض النقاد بتستر المخرج المصري خالد يوسف خلف رداء الصالحين، ذلك أن غير واحد من النقاد يقول إنه لا يصلح أن يرتدي عباءة الواعظ الديني أو المصلح الاجتماعي، ولا حتى أن يكون طبيباً يضع يده على جروح بلده، وآلام مواطنيه، والدليل على ذلك أفلامه العشرة التي أخرجها، وكلها لا تخلو من إثارة للجدل.

فما يقدمه هذا المخرج -كما يؤكد كثير- لا يخرج عن كونه "لوحات سوداوية" جعلت من العشوائية والفساد والدعارة والإرهاب والتطرف والفوضى واجهة لمصر لا يجوز التشكيك فيها، وجُمعت تلك اللوحات بإتقان مخرج محترف!

إن قدرات خالد يوسف الإبداعية، وصنعته الحرفية المتميزة، وإيقاعه المتناغم ومنطقه ورصيده السينمائي.. كلها جعلت منه مخرجاً سينمائيّا ذا طابع خاص، إلا أن هذا لم يمنع الأصوات من أن تتعالى ضده أو أن تطلق عليه وصف "المخرج الأكثر إثارة للجدل".

لقد كتب يوسف اسمه لأول مرة على صفحات السينما المصرية، مع واحد من أهم علاماتها، وهو المخرج العالمي يوسف شاهين، بعد أن لمح في عينيه من الوهلة الأولى بريق موهبته، وهو الذي أخرج مسرحية المهرج على مسرح الطليعة ضمن النشاط الطلابي بكلية الهندسة جامعة بنها قبل تخرجه عام 1990.

خرج به شاهين من حلم الهندسة إلى هذا العالم الأسطوري، واختاره بجانبه مخرجاً مساعداً في فيلم (المصير) عام 1997 ليتشرب صنعة أستاذه، ويتفنن في أن يحتل أكثر من موقع داخل أسطول شاهين السينمائي، فاكتشف في نفسه موهبة جديدة في التجربة الثانية له مع معلمه، إذ شارك في كتابة السيناريو لفيلم (الآخر) عام 1999، وأظهر فيه خالد قدرته على تخطي الحواجز المهنية والزمنية التي أفصحت عنها السنوات بعد ذلك.

وهنا بدأت المرحلة الثانية للتلميذ النجيب ليوسف شاهين كما يحب أن يصفوه، إذ لا يختلف اثنان على موهبته المصقولة بالخبرة وقدرته على الاختلاف والتميز، فأخذ خطوات ثابتة بفيلم (العاصفة) 2001 عام مع نجمين لامعين، هما يسرا وهشام سليم؛ فاستطاع أن يعلن فيه يوسف بكل وضوح عن مفرداته السياسية والقومية وتوجهاته الناصرية التي عبر فيه عن نفسه بشكل مباشر ودون تزويق، فلم ينس رئاسته لاتحاد الطلاب أثناء الدراسة بإبرازه لشكل المظاهرات في الجامعة، ولاقى الفيلم نجاحاً كبيراً على المستوى النقدي والجماهيري.

ولم يقل في تجربته الثانية ثقة عن سابقها فقدم أحد أهم أفلامه (جواز بقرار جمهوري) عام 2004 الذي استطاع فيه التعبير بجدارة عن هموم المواطن العادي وأحلامه البسيطة بجرأة فكرته وتناوله الفكرة بأسلوب كوميدي بسيط يعتمد على الموقف والمفارقات الكوميدية الناتجة من قبول الرئيس دعوة زفاف شاب بسيط يعيش في حارة فقيرة، فيقرر أن ينقل شكاوى أهل حارته للرئيس في أثناء الفرح، ويصنف كفيلم كوميدي ساخر يحمل من الواقعية ما لم يخدش حياء المجتمع، فينتقل به خالد يوسف لنوعية جديدة بعد التراجيديا القاسية في فيلمه السابق.

وبفيلم (ويجا) عام 2005 بدأ خالد يوسف شكلا جديدا من أفلامه وهي النوعية التي تقوم على الإثارة وكانت لفكرة الفيلم الجديدة التي تقوم على 6 أصدقاء يجتمعون على لعبة سحرية (ويجا) لها قدرة على كشف المستقبل.. دور كبير في تخطي خالد مجموعة من الحواجز الجديدة في فترة قصيرة، خاصة وأن الفيلم جاء من تأليفه، قدم بعدها فيلم (أنت عمري) 2005 الذي أثبت من خلاله أن أسلوبه الخاص بارع في الاستحواذ على المشاهد، حتى وإن كانت الفكرة بسيطة خالية من إثارة الجدل أو الفانتازيا.

لأن الاختلاف والتميز سمة إبداع ذلك المخرج، فقد قدم الأكشن والغموض في فيلم (خيانة مشروعة) 2006 الذي كشف فيه يوسف لأول مرة عن توليفة الإثارة السهلة التي امتدت معه في عدد من أفلامه القادمة، ليفتح بعدها ملفاً جديداً مليئا بالعشوائيات بفيلم (حين ميسرة) عام 2007 يتقنع فيه بقناع الواقعية كونه يرى نفسه جزءا من الشارع المصري ولاقى الفيلم صدمة جماهيرية، ليقدم في وقت قريب من العام فيلم (هي فوضى) الذي شارك يوسف شاهين في إخراجه ويعد من أهم الأفلام التي انتقدت السلطة وسلبيات المجتمع بأسلوب لاذع مقبول ببصمة شاهين ليكون آخر أفلام المخرج الراحل.

وبمجموعة من الإسقاطات الصادمة للجمهور والنقاد على حد سواء، قدم خالد يوسف فيلمه الأجرأ (الريس عمر حرب) الذي تحدى فيه كل القيم المتعارف عليها بفتح باب على عالم لا يود المشاهد البسيط -الذي ادعى يوسف انشغاله بقضاياه- حتى الاطلاع عليه في صالة قمار، وكشف خبايا هذا العالم من خلال بطله الذي يقع تحت وطأة الشيطان، فيسيطر عليه بملذات الحياة التي كانت الفرصة الأكبر لخالد في تقديم جرعة مكثفة من المشاهد الساخنة بحجة محاكاة الواقع في صالة قمار.

وقد قال النقاد إنه إذا كانت الواقعية حجته المزعومة لمواجهة المجتمع بعيوبه حيث يرسم صورة عن مجتمع مليء بالزيف والوحشية والعاهرات يخلو من المبادئ والخير متناسياً أن الإنسان يحمل بين أنفاسه الخير والشر، فمن اللاواقعية ترسيخ مفاهيم مقحمة على المجتمع لا يمكن إنكار وجودها، بل قد لا تزيد حجمها عن مجرد فقاعات يجعل منها خالد يوسف بطلاً في أفلامه.

في عام 2009 قدم خالد يوسف فيلمه الأفضل في السنوات الأخيرة (دكان شحاتة) الذي كان يريد أن يجعل منه ملحمة تجمع بين الواقع وإسقاطاته أساسها الحبكة المتماسكة، إلا أن الحبكة اهترأت منه بعض الشيء في أفلامه الأخيرة، بعد أن كون لنفسه مجموعة من الركائز الأساسية يعتمد عليها ويتناقل بها من قصة لأخرى.

ولاقى خالد يوسف عام 2010 بكثير من الاتهامات والانتقادات بسبب فيلمه الجديد (كلمني شكراً) الذي بدا عليه التهميش لقضايا فئة مهمشة من أول مشاهده، بسرد كل قضية تحتمل أن تكون فيلما بمفرده في مجموعة من المشاهد يربطهم ببعض المشاهد الجنسية ومشاهد الإغراء بعري مبتذل.

إن خطابه السياسي المباشر أفضل بكثير من الضجيج والصخب اللذين يعلو صوتهما على صوت الدراما وأبطالها للوصول للطريقة غير المباشرة التي يبحث يوسف للوصول إلى أسرارها فتعاني أفلامه من الإسقاطات والرموز الضعيفة التي يقحمها في أفلامه بشكل يؤثر سلباً على تماسك القصة التي تنفلت من بين يديه في كثير من الأحيان حتى إنها لا تؤدي غرضها، فلا يجيد التنقل بخفة بين المشاهد الدرامية أو إسقاطاتها السياسية والاجتماعية فقد تظهر كأنها مشاهد متقطعة لا تربطها ببعضها سوى نظرة المخرج المتتلمذ على يد شاهين -أحد أكبر أساتذة مدرسة الدلالات الرمزية التي قد يطلق عليها بعض النقاد الأسلوب الشاهيني نسبة إليه- والذي تمكن في التنقل بين صفحات الواقع والرمز بمنتهى البراعة كأنه يؤدي واحدة من رقصاته.

ويتعامل خالد يوسف -وهو من مواليد 1965 في كفر شكر بالقليوبية- بذكاء شديد ليكسب أضلاع المثلث السينمائي الثلاثة، إذ يناقش القضايا المهمة بصوت عال لا يخلو من المعارضة لكسب ثقة المشاهد البسيط، وإضافة مزيد من الخلطة السحرية التي يدركها جيداً ليداعب شباك التذاكر، والتشبث برفض القيود على الحرية والإبداع بالتهليل بوجه الأجهزة الرقابية، لدرجة أن يخرج فيلمه الأخير (كلمني شكراً) بدون اعتراض رقابي واحد، بالرغم من أنه مليء بالتجاوزات ليست فقط الأخلاقية وإنما المهنية أيضاً.

إذا كان الإذعان السياسي هو عملية تهيئة المواطنين لتقبل كل ما يصدر عن النظام السياسي دون مناقشة، فما يمارسه خالد يوسف من إيجاد إذعانٍ مدروس من مشاهديه، بعد تهيئة الجو المناسب لذلك لهيمنة فكرية واستخدام كل الوسائل الممكنة لرسم تلك الصورة على أنها الحقيقة المستترة التي لا يراها أغلب الشعب، ولا يعرفها سوى صناع الفيلم من خلال ترسيخ النظرة الواقعية السوداوية التي قد توقع المخرج البالغ من العمر 45 عاماً في مأزق تشويه الحقيقة بالتركيز على الجانب المظلم فيها بعيداً عن الموضوعية أو حتى المصداقية.

وقد كان فيلم (حين ميسرة) أفضل مثال في السوداوية المعتمة، ولكن ذكاء خالد يوسف يكمن في التعبير عن رؤيته واقتناعه بها، إذ تنتقل بالمشاهد لمرحلة الاقتناع والبحث عن رؤية المخرج المتوارية وراء تشابك الشخصيات وتعقد الأحداث.

هكذا فإن اقتحامه لمناطق جديدة في الفكر السينمائي بفلسفة مختلفة تحمل رؤية تنطلق كالشرارة في عقول جمهوره دون أن يكون الهدف منها إقناعهم بتلك الفلسفة، تكمن فيها خطورة يوسف في تحريك غرائز مشاهديه دون الإفصاح عن رغبته في التأثير عليهم بمناقشة قضاياهم كأنها همه الأول أو السبب الرئيس في تحريكه لكاميراته.

أخيرا فإن الاتهام بالرجعية والتحذير من الاكتساح الديني ومحدودية الأفق هي مخالب خالد يوسف في وجه منتقديه، رافضا -باستماتة- حالة التحفظ التي يتسم بها الشارع المصري، مصرا على أن يغازل بالسينما الجريئة عقول المراهقين.