EN
  • تاريخ النشر: 28 أكتوبر, 2011

الفيلم اللبناني "هلأ لوين" يتصدى للطائفية في "ترايبكا"

fan article

fan article

الكاتب طارق الشناوي يتعرض لفيلم "هلأ لوين" للمخرجة اللبنانية نادين لبكي وتناوله لقضية الطائفية التي تضرب المجتمعات العربية.

 الأفلام العربية التي تشارك في مهرجانات كبرى يظل عددها محدودا جدا وهكذا مثلا كانت "نادين لبكي" المخرجة اللبنانية وجها عربيا متألقا في مهرجان "كان" الأخير بفيلمها "هلأ لوين" وسوف تشارك بالفيلم في مسابقة الأوسكار لاختيار أفضل فيلم أجنبي وهو حاليا يتنافس على جائزة أفضل فيلم عربي في مهرجان "الدوحة" الدورة الثالثة التي تعلن نتائجها مساء السبت القادم.

بين الدموع والابتسامات تجري أحداث فيلم "نادين لبكي" باللهجة اللبنانية "هلأ وين" التي تعني الآن إلى أين تبدو "نادين" في "هلأ لوين" وهي تتصدى لأكبر مأزق يعاني منه عدد من البلاد العربية برغم أن الأحداث تجري في قرية صغيرة في لبنان حيث أن الخطر الذي يدمر أي وطن من الداخل هو الطائفية وبالتأكيد عانت لبنان واحدة من أكثر الحروب الطائفية شراسة وإذا كانت حدة الحرب قد توقفت إلا أن الجراح لم تندمل والطائفية أيضا مع الأسف كامنة تحت الرماد. لا يزال في لبنان الكثير من تلك النعرات.. قررت "نادين" أن تخوض المعركة السينمائية بسلاح السخرية وأيضا بالدموع حيث تنتقل في لحظة من مشهد ضاحك إلى مشهد يحيل مشاعرنا إلى فيض من الدموع لا تتوقف!!

في هذه البلدة مثل العديد من بلادنا العربية نرى الجامع يقابل الكنيسة أهالي القرية بينهم حياة مشتركة بل إن هناك أيضا قصة حب تجمع بين بطلة الفيلم المسيحية التي أدت دورها "نادين لبكى" وجارها المسلم وفى لمحة تقطر إبداعا تقدم "نادين" مشاعر الحب المتبادل بينهما وكأنه وهم مستحيل أن يتجسد على أرض الواقع هي تحلم به يراقصها وهو يشاركها في نفس اللحظة الحلم.. المجتمع لا يرحب بالزواج بين مختلفي الديانات تحل على القرية بالصدفة فرقة روسية نسائية راقصة وذلك عندما يتعطل الأتوبيس الذي يحمل أفراد هذه الفرقة إلى إحدى المدن.. القرية كلها تتعاون من أجل استضافتهم وهو ملمح درامي قدمته "نادين" للتأكيد على كرم أهالي هذه القرية مع الغرباء فكيف يصبحون بهذه القسوة مع جيرانهم لمجرد الاختلاف في الديانة ويتناسون كل ما هو مشترك بينهم من صداقة ومشاعر.. الطائفية تعني حالة من الانفلات تبدأ كشرارة صغيرة حتى ولو كانت مجرد سوء فهم أو مجرد شائعة مثلما حدث في بداية الفيلم عندما دخلت إلى الجامع مجموعة من الحيوانات الأليفة لأن الباب مفتوح واعتقد المسلمون في القرية أن هذا الأمر مدبر من قبل المسيحيين فاعتدوا على الكنيسة ورشقوا العذراء بالحجارة ويحاول رجلي الدين الإسلامي والمسيحي التهدئة ولا تمضي سوى أيام وتشتعل مرة أخرى بحكاية مختلفة ومختلقة نيران حدة الطائفية.. كعادة "نادين لبكى" تمنح المرأة دور البطولة لم يفلح رجال الدين في التهدئة ولم ينجح أيضا رجال القرية في إغلاق هذا الملف الطائفي المقيت ولكن نجحت النساء فيما فشل فيه الرجال.. قررت النساء أن تنزع من كل رجال القرية الأسلحة.. كانت أم مسيحية في مشهد سابق قد أطلقت الرصاص على قدم ابنها لتمنعه من إطلاق الرصاص على المسلمين بعد أن مات ابنها الأول فخافت على الثاني من أن يلقى نفس المصير.. تتوصل النساء إلى حل خيالي لتلك الطائفية وهو أن كل امرأة تتحول للدين الآخر المسلمة ترتدى الصليب والمسيحية ترتدى الحجاب وداخل المنزل كل منهما تمارس طقوس الديانة الجديدة أمام زوجها وأبناءها.. ما تسعى المخرجة بالطبع إلى توصيله للجمهور ليس هو أن يغير الإنسان دينه الذي ولد مؤمنا به ولكن إلى تقبل مبدأ أن الأديان واحدة عند الله وأن الفارق في الطقوس وممارسة الشعائر الدينية لا يعني التناحر والاقتتال.. الكل يتوحد لا تعرف من المسلم ومن المسيحي حتى المقابر تبدو فيها ملامح هذا الاختلاط وتنتهي الأحداث بأغنية مليئة بالبهجة وحب الحياة.. نعم الحل عبثي وهو ما لجأت إليه "نادين" التي شاركت كعادتها في كتابة الفيلم مثلما كتبت أيضا فيلمها الروائي الأول "كرامل" ولكن القضية الطائفية أيضا عبثية ولهذا نشاهد رجلي الدين المسلم والمسيحي في نهاية الأحداث وهما يركبان عربة الفرقة التي تحمل الراقصات في طريقهما للاستمتاع بالعروض التي تقدمها الفرقة!!

استعانت "نادين" بعدد من أهل القرية اللبنانية وهم يقفون لأول مرة أمام الكاميرا فكانت الطبيعة والتلقائية هي المسيطرة على أسلوب أداء الممثلين الهواة وحتى تضبط المخرجة الإيقاع كان أيضا الممثلون المحترفون على نفس الدرجة من العفوية.. تميزت موسيقى وألحان "خالد موزنار" فكانت قادرة على أن تمنحنا في لحظات الحزن مساحة من الشجن وفى لحظات المرح فيض من البهجة.

ما أشد حاجتنا كعرب إلى أن نرى هذا الفيلم الذي يتصدى للطائفية من خلال حيلة نسائية.. استطاعت "نادين" أن تحقق بفيلمها نجاحا جماهيريا عند عرضه تجاريا في بيروت وتكرر الأمر عند عرضه في باريس ومن المنتظر قبل نهاية هذا العام أن يعرض جماهيريا أيضا في القاهرة فهل يستطيع الفيلم أن يجمع بين الحسنيين أقصد النجاح الجماهيري وجائزة الدوحة ترايبكا كأفضل فيلم عربي؟!