EN
  • تاريخ النشر: 10 يناير, 2010

أخرج مسيرة شعب ويدرس العبور المصري أحمد راشدي.. ثائر جزائري خلف الكاميرا

كرمه مهرجان القاهرة الأخير كما ترأس لجنة التحكيم بمهرجان دبي

كرمه مهرجان القاهرة الأخير كما ترأس لجنة التحكيم بمهرجان دبي

أحد عمالقة العصر الذهبي بالسينما الجزائرية في فترة ما بعد الاستقلال، ولم يكتف بوضع اسمه على أفلامه، بل حفر شخصيته عليها، ولم يقدم شيئا إلا وهو يعبر عن رسالته التي طالما نطقت بها أعماله، وهي تحرير الوطن والإنسان من أيّ احتلال، ما أهّله ليكون محلا لتكريم مهرجان القاهرة السينمائي الأخير، وأن يترأس لجنة التحكيم بمهرجان دبي السينمائي أيضا.. إنه المخرج الجزائري العملاق أحمد راشدي.

  • تاريخ النشر: 10 يناير, 2010

أخرج مسيرة شعب ويدرس العبور المصري أحمد راشدي.. ثائر جزائري خلف الكاميرا

أحد عمالقة العصر الذهبي بالسينما الجزائرية في فترة ما بعد الاستقلال، ولم يكتف بوضع اسمه على أفلامه، بل حفر شخصيته عليها، ولم يقدم شيئا إلا وهو يعبر عن رسالته التي طالما نطقت بها أعماله، وهي تحرير الوطن والإنسان من أيّ احتلال، ما أهّله ليكون محلا لتكريم مهرجان القاهرة السينمائي الأخير، وأن يترأس لجنة التحكيم بمهرجان دبي السينمائي أيضا.. إنه المخرج الجزائري العملاق أحمد راشدي.

وُلد راشدي عام 1938 بمدينة تبسة في الجزائر، ففتح عينيه على مستعمرة فرنسية أخذ يتألم من جراء اغتصاب أراضيها من قبل المستعمر، وعندما بلغ السادسة عشرة من عمره شارك بحركة التحرير الشعبية عام 1954 التي فجرت واحدة من أقوى الثورات التحريرية في العالم، معلنة استقلال الجزائر عن السيطرة الفرنسية عام 1962.

قد لا تكون الفرصة واتته بشكل كاف في أن يحمل السلاح للمشاركة في حرب التحرير، إلا أنه منذ اللحظة الأولى التي تفجرت فيها موهبته، وهو مناضل من نوع خاص.. إذ يحمل أدواته وأسلحته الإخراجية لحماية تلك الثورة، ورفع أسماء أعلامها.

دراسته للأدب الفرنسي والتاريخ والسينما جعلته -هي الأخرى- لا يجد سبيلا سوى التعبير عن ذاته التي طالما وجدها في نضال بلاده في وجه الاحتلال، التي ظهرت في كل خطواته، بداية من مشاركته في الفيلم الجماعي (مسيرة شعب) عام 1963، ثم الفيلم التسجيلي (فجر المعذبين) 1965، وذلك بعد أن أصبح مسؤولا في قسم السينما الشعبية بالمركز القومي للسينما الجزائرية، ثم مسؤولا في مؤسسة تجارة وصناعة السينما.

لاحقا قدم فيلمه الأهم: (الأفيون والعصا) 1969 الذي شارك فيه مجموعة من الممثلين الفرنسيين بجانب جزائريين، كما شارك في تأليف فيلمه (طاحونة السيد فابر)، 1973 وشارك فيه عدد من الممثلين المصريين، أبرزهم عبد المنعم مدبولي وعزت العلايلي، ثم فيلم (علي في بلاد السراب) 1979، ليعاني بعده صعوبات التمويل التي واجهت السينما الجزائرية في منتصف الثمانينيات.

مثلما سخر أدواته في التعبير عن قضية بلاده وثورتها حتى الوصول إلى استقلالها استجمع أحمد راشدي شجاعته لمحو آثار الاحتلال الفرنسي، ولعل فيلمه (كانت الحرب) عام 1993 من أهم الأفلام التي أسهمت في تقريب وجهات النظر الجزائرية والفرنسية، إذ تناول الثورة في الفترة بين عامي 1957 و1960.

وكان من المقرر عرض الفيلم في التلفزيون الجزائري ونظيره الفرنسي في الوقت نفسه ليحقق الفيلم أهدافه، لكنه فوجئ بالعرض الفرنسي، في حين رفضت الحكومة الجزائرية عرض الفيلم بسبب الصورة التي أظهر بها الثوريين الجزائريين..كما قيل!

بعدها توقف المخرج المناضل فترة عن تقديم أفلامه، وتواكب ذلك مع توقف الإنتاج السينمائي الثوري، إذ اعتمدت السينما في فترة التسعينيات على الموضوعات الحياتية والقضايا الاجتماعية الأكثر تحررًا والأقل خضوعًا للرقابة حتى عاد أحمد راشدي من جديد بعد غياب 14 عاما عن الثورة ومناضليها بفيلم (مصطفى بولعيد) عام 2009.

حاول راشدي في هذا الفيلم الأخير التعبير عن آلام المقاومة الجزائرية التي عايشها في صغره، من خلال حياة أحد رموز الحركة الوطنية، وهو مصطفى بن بولعيد، أحد القادة الستة في عمليات أول نوفمبر/تشرين الثاني 1954.

دارت أحداث الفيلم حول انخراط البطل في المقاومة، ولجوئه إلى التنكر في عدد من البلاد العربية، من أجل تدعيم ثورة التحرير بالسلاح، إلى أن ألقت القوات الفرنسية القبض عليه، وصدر الحكم بإعدامه، إلا أنه يتمكن -وعدد من رفاقه- من حفر خندق في المعتقل، ومن ثم يهرب، ويعود قائدًا للثورة من جديد.

بتلك الأسطورة الشعبية، وبتاريخه الفني الحافل، حصل المخرج الجزائري على تكريم مهرجان القاهرة السينمائي الدولي في دورته الـ33 (الأخيرة).

تصريحات راشدي الأخيرة عن صدارة السينما المصرية باعتبارها البوابة للعالمية واستحقاق كثير من أفلامها جائزة مهرجان "كانوإعلانه أنه ليس هناك سينما عربية إلا في مصر، وأن الفنانين العرب لا يستطيعون التخلص من تأثير مصر عليهم فنيًّا؛ أثارت حفيظة عدد من مثقفي وفناني الجزائر، إذ رآها بعضهم وسيلة تودد للمصريين، والوصول لمصالحه الشخصية؛ خاصة أن تلك التصريحات جاءت في الوقت الذي اتسمت فيه العلاقات المصرية الجزائرية بالتوتر عقب أحداث الشغب في المباراة التي جمعت البلدين بالسودان في التصفيات المؤهلة لكأس العالم 2010.

إزاء ذلك انتقد راشدي التعصب الكروي الأعمى الذي وقع فيه الطرفان بسبب مباراة كرة قدم، مشددا على أنه لا مكان للتعصب أو الكراهية بين بلدين، جمعهما التاريخ والجغرافيا لتكونا شقيقتين عربيتين.

وذهب المخرج الجزائري إلى أبعد مدى في هذا الاتجاه، عندما أعلن نيته إخراج فيلم مصري يتناول نصر أكتوبر/تشرين الأول 1973 بنظرة عميقة توضح قيمة وعظمة العبور الذي قضى على أسطورة الجيش الإسرائيلي الذي لا يُقهر، وقال إنه سيقدم فيه رؤيته لدور الجيوش العربية في العبور؛ حيث يتناول الفيلم المواطن البسيط الذي رأى نفسه جنديا مدافعًا عن أرضه وسط المعركة.

وصرح راشدي بأن هناك عددا من الأفلام المصرية المميزة التي روت قصة انتصارات الجيش المصري من خلال قصص حب رومانسية، وكان أبرزها فيلم (الرصاصة لا تزال في جيبي).

ولم يخف تأثره بالسينما المصرية وحبه لمبدعيها، وعلى رأسهم المخرج العالمي يوسف شاهين، الذي سبق أن تعاونا معًا في فيلم (العصفور) عام 1974 إيمانًا منه بإبداع المخرج المصري، وقدرته على إضفاء لمسة سحرية على كل أعماله بحسب راشدي.

كما أثرت دراساته المتخصصة للسينما في فرنسا وإيطاليا وأمريكا على رؤيته الفنية للتعبير عن الثورة بداخله، فلم ينكر راشدي يومًا أنه قدم عديدا من الأعمال التحريضية ذات الرسائل السياسية المباشرة للحركة التحريرية، على الرغم من أنه يحلم بعالم خال من الحروب والفقر والمرض من خلال الشاشة، كما يحلم باستكمال أعماله للتعبير عن نضال المقاومة الجزائرية بأعمال ترفع راية النضال العربي.

أخيرا جاء خروجه من الجزائر لمدة ست سنوات دون إرادته ليمثل لحظة الضعف التي وقف فيها راشدي عاجزًا عن الثورة أو حتى المواجهة، فلم يجد أمامه سوى الخروج من وطنه مع أسرته وأولاده، بعد التهديدات التي طالته وعددا من المثقفين الجزائريين، إلا أن إرادته لم تعرف الاستسلام، إذ رفض إخراج عدد من الأفلام للتلفزيون الفرنسي، وقرر العودة لوطنه؛ حيث المكان الحقيقي للنضال.