EN
  • تاريخ النشر: 12 نوفمبر, 2011

«في الوقت المحدّد».. الرأسمالية وثواني الفقراء المعدودة

fan article

زياد عبدالله

الكاتب يلقي الضوء على قصة فيلم "في الوقت المحدد" المعروض حالياً في دور العرض الإماراتية وهو ينتمي إلى أفلام الخيال العلمي

(زياد عبدالله)   المال يساوي الوقت، والوقت يساوي المال، لكن ماذا إن توقفت أعمارنا في الخامسة والعشرين؟ وماذا ستكون عليه الحياة إن كان العمر محسوباً بالدقائق والثواني ويمكن بيعه وشراؤه؟ أسئلة كثيرة يحملها فيلم In Time في الوقت المحدد» المعروض حالياً في دور العرض المحلية، ولعل الإجابة عنها ستكون من نصيب المشاهدين، بينما ينتمي الفيلم إلى خيال علمي له أن يتحول إلى مجاز على اتصال بواقع معاش، شيء مثل فيلم 1984 لمايكل أندرسون، لكن مع قلب النظام، أي أن أندرسون في تجسيده رواية جورج أورويل قدم عام 1956 هجائية كبرى للأنظمة الشمولية، بينما سنقع «في الوقت المحدد» على هجائية ليست كبرى -بالمعنى السينمائي- للنظام الرأسمالي.  

تصلح المقارنة من حيث الفكرة، لكنها ليست كذلك في سياقها البصري، إن أخذنا تلك الحقيقة بعين الاعتبار، فإن الأمر سيقودنا إلى فيلم فرانسو تريفو «فهرنايت 451» (1966) وصولاً إلى فيلم ألفونسو كوران «أطفال الرجال» (2006)، ولعله من الجيد أن يكون فيلم «في الوقت المحدد» دافعاً لنا لاستحضار كل هذه الأفلام، التي يلتقي معها في سياقات قدرتها على تقديم فكرة خيالية تكون متأسِّسة على ما نجد معادلاً لها في حياتنا، لا بل إنها تأتي بمثابة استثمار خيالي في الواقع، مع الحفاظ على القيمة الفنية المتفاوتة بين فيلم وآخر.

 

«في الوقت المحدد» إخراج اندرو نيكول يقول لنا إن ما يحدث يقع في المستقبل، لكنه وللدقة يحدث الآن، فنحن نشاهد البشر وعلى أيديهم ساعات رقمية تكون ملتحمة بالبشرة، وكلما ازدادت الأرقام كلما كان أمام الإنسان متسع من الوقت ليعيشه، وعليه فإن الفقراء هم من لا يملكون كثيرا من الوقت، بينما يمتلك الأغنياء قروناً لا بل ملايين السنين ليعيشوها، لدرجة يصبحون فيها خالدين.

 

يضيء الفيلم التباين الطبقي من خلال هذا الرمز في أعتى تجلياته، وذلك من خلال بطل وبطلة سيكون التركيز عليهما أولاً وأخيراً، ومن خلال نسج علاقة حب تجمعهما، وتجعلهما ينتقلان من مكان إلى آخر وهما مطاردان.

 

في البداية؛ سنقع على ويل سالاس (جوستين تمبرلانك) الذي سيقوم بإنقاذ رجل من عصابة تسعى إلى سرقة وقته الذي يحتوي على مئات آلاف السنين، لكن هذا الرجل الثري الذي أصبح خالداً لا يطاله الموت، سيقوم بمنح كل ذلك الوقت إلى ويل ومن ثم الانتحار، وبالتالي يصبح ويل غنياً، لكنه لن يتمكن من إنقاذ أمه التي ينتهي زمنها، وبما أنه امتلك ما يكفي من الوقت فإنه سيهجر حيه الفقير المخصص للفقراء ويدخل إلى منطقة الأغنياء، وفي الوقت نفسه ستبدأ ملاحقته من قبل حراس الوقت، وهناك سيقامر بوقته ويربح مزيداً منه، ومن ثم سيقوم باختطاف سليفيا (أماندا سيفريد) ابنة أحد الأثرياء الذي يملك بنوك الوقت، ويمتلك ملايين السنين، وعليه يتحول ويل وسيلفيا إلى مخلصين للفقراء على طريقة روبن هود أو شعراء العرب الصعاليك الذين يسرقون من الأغنياء ليعطوا الفقراء، وكثيرا ما تتردد عبارات تصف سرقة البنك بأنه أمر مشروع، كونه قائم على مص دماء البشر، كما أن كل ما يقوم به كل من ويل وسيلفيا يتحول ليصير تجسيداً لمقولة برتولد بريشت الشهيرة «أين جريمة سرقة بنك من جريمة تأسيس بنك».

 

فيلم «في الوقت المحدد» مسكون بأجواء غرائبية خارجة من رحم «الماتريكس» وأفلام تارنتينو على صعيد بناء مواقع التصوير والسيارات والأزياء والشخصيات، ولعل المستقبل الذي يتناوله يكون منتمياً من حيث الأزياء والسيارات وغيرها إلى سبعينات القرن الماضي، كما أن هذا الفيلم قادر على أن يكون مشوقاً مأهولاً بالكثير من الحركة والإثارة، دون أن يكون كل ذلك مجانياً، الفكرة جميلة وشرعية سينمائياً، والتقاطة أن المال يساوي الوقت والعكس صحيح فيها من الحقيقة الكثير، ومجاز أن يكون الأغنياء على شيء من الخلود، بينما الفقراء يتركون ليموتوا، هو كل ما تسعى إليه الرأسمالية المتوحشة.

(*) نقلا عن صحيفة الإمارات اليوم