EN
  • تاريخ النشر: 12 نوفمبر, 2011

«جيسي» ملحمة سينمائية من اليونان عن عالمنا المعاصر

سمير فريد

الكاتب سمير فريد

الكاتب يشيد بالفيلم اليوناني «جيسي» أو «جيه. إيه سي. آي»، إخراج مينيلاوس كراما جيوليوس، مؤكدا أنه يعيد السينما اليونانية إلى عصر روائع كاكويانس وأنجلو بولوس

(سمير فريد ) شهدت مسابقة المهرجان تحفة أخري بعد الفيلم الأمريكي «من دون عنوان»، إخراج مارك جاكسون، وهي الفيلم اليوناني «جيسي» أو «جيه. إيه سي. آي»، إخراج مينيلاوس كراما جيوليوس، الذي يعيد السينما اليونانية إلى عصر روائع كاكويانس وأنجلو بولوس وغيرهما من كبار فناني هذه السينما.

 

«جيسي» الفيلم الروائي الطويل الثاني لمخرجه بعد عشر سنوات من فيلمه الأول «إحكام الظلمة» عام ١٩٩٩، وبعد ٢٥ سنة من إخراج فيلمه الأول التسجيلي القصير عام ١٩٨٥، وله من الأفلام التسجيلية ثلاثة قصيرة واثنان طويلان أخرجها قبل أن يبدأ إخراج الأفلام الروائية، وخبرة ربع القرن في السينما والحياة واضحة تماماً في فيلمه الجديد، كما يفسر الفيلم لماذا لم يصنع أي أفلام خلال السنوات العشر الماضية، فهو عمل يحتاج إلى عشر سنوات من التأمل والتفكير والكتابة قبل تصويره.

 

عنوان الفيلم الحروف الأولي بالإنجليزية من عبارة «مجرد فيل آخر حائر» والمقصود أن الفيل عندما يفقد والديه يصبح حائراً ومضطرباً، وهذا حال الشخصية الرئيسية في الفيلم، والاسم الذي يختاره لنفسه عندما يعرف هذه المعلومة من مدرب الأفيال في السيرك، فبطلنا من دون اسم حقيقى، ويطلق عليه كل من يريد اسماً مختلفاً، وهو صامت طوال الفيلم (ثلاث ساعات إلا سبع دقائق) من سن السابعة إلى سن السابعة والعشرين، عبر ثلاث مراحل يؤدي كلاً منها ممثل مختلف.

 

مدة عرض الفيلم ترتبط درامياً بالشكل الملحمي، الذي اختاره مبدعه، والذي يرتبط بالمساحة الزمنية الطويلة والأماكن المتعددة، فلا توجد دقيقة زائدة أو ناقصة، ومن المعروف أن أشهر وأعظم الملاحم في تاريخ الأدب العالمي الملاحم اليونانية القديمة، خاصة «الإلياذة» و«الأوديسة» لشاعر اليونان الأكبر هوميروس، ولعل «جيسي» أول فيلم في تاريخ السينما اليونانية يأخذ شكل الملحمة، وقد درس كراما جيوليوس الأدب قبل أن يدرس السينما، وأثبت أنه حفيد هوميروس حقاً.

 

هذه ملحمة جديدة من اليونان في عصرنا منذ سقوط جدار برلين عام ١٩٨٩، ورؤية ثاقبة ومدهشة عما جري ويجري في العالم منذ ذلك الحين في العقدين الماضيين تجمع بعبقرية بين الواقع التاريخي والمطلق الميتافيزيقي علي حد تعبير سارتر دون التطرق إلى الأحداث السياسية من قريب أو بعيد، وإنما بالتعبير عن إطلاق العنان للجانب الآخر من الإنسان في أسفل سافلين، كما تمثل في حرب البلقان من خلال حياة طفل ألباني من أصل يوناني تقتل والدته وهي ترضعه علي يد أخيها، لأنها حملت من زوج شقيقتها سفاحاً، ويشاهد والده لأول مرة وهو في السابعة، وفي اليوم نفسه يلقي الوالد مصرعه أمام عيني ابنه علي أيدي عصابة من عصابات الاتجار بالبشر، حيث أصبح كل شيء للبيع.

 

وقبل أن يموت الأب يوصي ابنه بألا يتكلم، فيصمت طوال حياته، ويحاول الهرب من العصابة، لكن دون جدوي حتى يلقي مصرعه بدوره، إنه «أوليس» معاصر ولكن من دون بطولة، ومن دون حبيبة تنتظره، ويأخذ أسلوب الإخراج كل عناصر الملحمة بالمعني الذهبي، ويجعل الفيلم علامة من علامات ما بعد الحداثة في السينما بكل معني العبارة.

(*) نقلا عن صحيفة المصري اليوم