EN
  • تاريخ النشر: 22 يناير, 2012

" منهج خطر".. بيـــن يونغ وفرويد وأشياء أخرى

لقطة من فيلم منهج خطر

لقطة من فيلم منهج خطر للمخرج الكندي ديفيد كروننبيرغ

فيلم «منهج خطر» على اتصال مع معطيات موثقة وخلافية بخصوص شخصيتين استثنائيتين في تاريخ البشرية، تضاف إليهما سابين التي سرعان ما تتحول من مريضة نفسية إلى محللة نفسية

  • تاريخ النشر: 22 يناير, 2012

" منهج خطر".. بيـــن يونغ وفرويد وأشياء أخرى

ما أن يرد اسم المخرج الكندي ديفيد كروننبيرغ، حتى يضع المشاهدون أيديهم على قلوبهم ليس مؤشراً إلى الوله، بل يكون تحسباً لجرعات العنف التي قد تحملها إليهم أفلامه، ذاك العنف الذي يأتي ليس مظهراً بصرياً فقط، بل من الأعماق، وعلى شيء من نبشه والخروج به عارياً.

في جديد كروننبيرغ لكم أن تستعدوا لشيء قد يوحي بأنه مغاير لأفلامه السابقة، لكنه وفي العمق سيضعنا ـ وبعد التمحيص فيه ـ أمام معطيات لن تكون إلا على اتصال مع ما عرف به كروننبيرغ، ولتوضيح ذلك سأستعين بمارتن سكورسيزي ورأيه بتجربة كروننبيرغ، فحين شاهد سكورسيزي أفلامه أعرب عن خشيته لقاء هذا المخرج، ولعله كما يروي كروننبيرغ شاهد فيلميه «شيفرز» ،1975 و«رابيد» ،1977 الأمر الذي أثار استغراب كروننبيرغ حينها إذ إنه لايزال على إيمانه الراسخ بأن المخرجين الذين يصنعون أفلاما عنيفة ليسوا بالضرورة عنيفين، وليتعدى الأمر العنف مع هذا المخرج إلى ما يمكن تسميته الهوس بالمزج بين العنف والجنس والخيال العلمي، رغم أنه لا يفضل استعمال كلمة هوس في الموضوعات التي تحملها أفلامه، فالهوس أمر آخر بالنسبة لكروننبيرغ، وهكذا فإنه ومن خلال ما تقدم يمكن اعتبار كل توصيف لسينما صاحب «الذبابة» يقابله رفض منه.

يحمــل جديــد كروننبـــيرغ عنوان A Dangerous Method (منهج خطروهو يمضي في مرحلة لها أن تكون مفصلية في تاريخ أعماق البشرية، وكلمة أعماق تعني هنا التحليل النفسي الذي أطلقه سيغموند فرويد، ومن ثم كارك يونغ، وفي بنية درامية لها أن تتكئ على مفاصل كثيرة في الأسس التي تم بناء هذا العلم عليها، ولنكون في النهاية وفي سياق فيلمي تحت العنوان مباشرة بمعنى معاينة هذا «المنهج الخطر» الذي يمضي فيلم كروننبيرغ في تتبعه في بنية درامية تضيء العلاقة الملتبسة التي كانت بين فرويد ويونغ والمضي إلى هذه العلاقة من خلال علاقة أخرى تجمع يونغ مع مريضته التي سرعان ما تمسي عشيقته، ومن ثم زميلته في التحليل النفسي.

لكن قبل المضي مع هذا الفيلم، فهناك ما له أن يكون على اتصال بكروننبيرغ من خلال معالجته لهذا المنعطف التاريخي للتحليل النفسي، وتضمين فيلمه المحكم بناء درامياً قادراً على أن يكون مكثفاً بالقدر الكافي لتمرير كل ما هو على اتصال بتلك العلاقات التي تأسست في ظل تشكل التحليل النفسي، ومن ثم فإن كارل يونغ الذي انفصل عن أستاذه فرويد سيكون بحد ذاته حالة نفسية ملتبسة، كذلك الأمر بالنسبة لفرويد نفسه، ولعل هناك الكثير مما نعرفه عن يونغ وفرويد سنجده ماثلاً أمامنا في سياق الفيلم، دون أية تدخلات تكون من خارج قصة الفيلم.

لم ندخل إلى الآن في أحداث الفيلم، لكن كل ما نشير إليه سيساعد المشاهد على المشاهدة إن كان غير مطلع على عوالم فرويد ويونغ، وبالتالي علي القول بأن أهم ما في هذين العالمين أنهما كانا يقاربان التحليل النفسي دون فصل ذواتهما، وهذا طبيعي، لكن من يقرأ كتب فرويد ويونغ لن يشعر بأنه من الضروري أن يكون على اطلاع على شخصيتهما، وعليه فإن فيلم كروننبيرغ يفعل ذلك، بمعنى أن مناقشات يونغ وفرويد ستمضي جنباً إلى جنب مع حياتهما واختلافاتهما، الحياتية منها والأيديولوجية، ويمكن اضافة الكثير في هذا السياق من خارج الفيلم أيضا، كون الفيلم يضيء عليها بمنتهى التكثيف ووفق موجبات الفعل الدرامي، كأن أستعيد هنا حلماً غريباً ليونغ شعر فيه بأن عليه أن يقتل سيغفريد، فخرج وبيده بندقية، وعندما ظهر سيغفريد على قمة جبل قتله، ثم شعر بخوف شديد، ورعب من احتمال اكتشاف جريمته، إلا أنه ولحسن الحظ هطل مطر غزير، غسل كل آثار جريمته. استيقظ يونغ مفكراً أنه يجب أن يقتل نفسه ما لم يتمكن من فهم الحلم، وبعد بعض التفكير توصل إلى الفهم التالي، إن قتل سيغفريد ليس إلا قتل البطل في أعماقه، ما يضيء تواضع يونغ، وليس سيغفريد إلا سيغموند فرويد.

سرد الحلم السابق، ليس إلا لإضاءة ما حفلت به كتب كثيرة بهذه العلاقة الملتبسة بين آباء علم النفس، وبالانتقال إلى الفيلم سنكون ومن البداية في زيوريخ ،1904 وامرأة اسمها سابين (كيرا نايتلي) في حالة نفسية مزرية تصل مصحاً نفسياً، وليتولى يونغ (مايكل فاسبندر) علاجها وتطبيق اكتشافات فرويد في هذا الخصوص، سيقول لها «كل ما سنفعله هو الكلام، سأجلس إلى مقعد خلفك، واسألك وأن تجيبين، دون أن تلتفتي إليّ».

لن يكون يونغ قد التقى فرويد بعد، ومع تطور علاج يونغ لسابين، سنكتشف الكثير، ولن تكون سابين إلا على حالة هلع مفرطة متأتية من ضرب والدها لها، وقسوته المفرطة، التي حولتها إلى كائن مازوشي، وحين يجد مدير المصح أن على أن سابين أن تعمل، فإنها ستمسي مساعدة يونغ، وستبدي كثيراً من الانغماس في أبحاث يونغ.

يونغ متزوج بامرأة ثرية يحبها ولديه أولاد منها، وليس هناك من منعطفات خطرة في حياته، لكن هناك في الأعماق ما يفضي إلى منزلقات ومنحدرات سحيقة، فشخصية يونغ لن تكون إلى متاهة بحد ذاتها، والتي سرعان ما ستضاء في الفيلم من خلال علاقته مع سابين، التي تضيء على ساديته الكامنة.

مع فرويد (فيغو مورتسن) ستضاء ومن خلال النقاشات الكثيرة بين الأخير ويونغ شخصية فرويد، وليكون التركيز الرئيس الذي يفصل كلتا الشخصيتين عن بعضهما بعضا، يتخطى اختلافهما الطبقي، أو كون يونغ ثرياً، بينما يعيش فرويد كفافه إن صحت الكلمة ومع أفراد عائلته الكثر، ولتكون نقطة الخلاف الرئيسة متأتية من نظرة فرويد نفسه إلى يونغ، النظرة ذات البعد الأيديولوجي، كون فرويد لا يستطيع التواصل مع يونغ بعيداً عن يهوديته، وكون يونغ أوروبيا آريا، كما سنتعرف إلى ذلك من خلال حوارات فرويد مع سابين.

فيلم «منهج خطر» بعيد وقريب من أفلام كروننبيرغ السابقة، إنه فيلم «جواني»، وعلى اتصال مع معطيات موثقة وخلافية بخصوص شخصيتين استثنائيتين في تاريخ البشرية، تضاف إليهما سابين التي سرعان ما تتحول من مريضة نفسية إلى محللة نفسية.

* نقلا عن الإمارات اليوم