EN
  • تاريخ النشر: 23 سبتمبر, 2012

المشاهد العربي والرقص على الإيقاع الأناضولي " الفاتح" ..هل يحقق رواجاً للسينما التركية بعد المسلسلات ؟

فيلم الفاتح

فيلم الفاتح

الناقد السينمائى طارق الشناوى يرصد تجربة عرض الفيلم التركي "الفاتح" فى مصر، ويعقد مفارنة بين نجاح الدراماالتلفزيونية التركية فى العالم العربي وإمكانات النجاح السينمائى للأفلام التركية ،كما يطالب برد الزيارة للفن التركي بتقديم فن عربى للأتراك.

هل هو غزو كما يحلو للبعض أن يطلق عليه خاصة وأن العالم العربي كله صار تحت سطوة المسلسلات التركية التي تشكل النسبة الأكبر من إقبال الجماهير؟ لا أتصور أن توصيف غزو هو تعبير دقيق عن حقيقة ما يجري ولكنها ظاهرة امتدت وحققت قدراً من الاستقرار النسبي فلم تسع تركيا إلى ذلك ولم تخطط له ولكنها الصدفة هي التي أدت دورها في البداية حيث نجح مسلسل تركي ثم حدث انتشار لهذه المسلسلات التي تمت "دبلجتها" إلى العربية في سوريا قبل أربع سنوات لتنتقل من فضائية إلي أخري حتى أصبحت بمثابة طبق درامي ثابت لا يمكن الاستغناء عنه في البيت العربي.

إلا أن الأمر لم يعد قاصراً علي الشاشة الصغيرة، الجديد هو أن دور العرض المصرية استقبلت قبل نحو أسبوع الفيلم التركي التاريخي "الفاتح" للمخرج "فاروق اكشوي" في الوقت الذي تعرض فيه عدد من الفضائيات العربية المسلسل التاريخي "حريم السلطان" فهل المتفرج حالياً صار يفضل المذاق التاريخي التركي.

إلا أن السؤال الأهم هو هل مزاج المشاهد التليفزيوني يتوافق أيضاً مع مزاج وإيقاع الجمهور السينمائي.. هناك مسافة ما بين مشاهد التليفزيون الذي ينتظر المسلسل في البيت وبين متفرج السينما الذي يتهيأ لكي يذهب إلي دار العرض.. الحالة النفسية تختلف ولهذا لا يمكن أن يصبح مؤشر النجاح التليفزيوني هو دلالة علي ترقب النجاح السينمائي.

كما أن هناك نجم يلمع تليفزيونياً ونجم يلمع علي شاشة السينما فإن هناك تباينات نفسية وموضوعية بين المجالين وكل هذا بالطبع يؤثر سلباً على الرهان التجاري.. إنها ملحمة تاريخية حيث حصل  السلطان "محمد الثاني" علي لقب "الفاتح" لأنه فتح مدينة "القسطنطينية" ذات الحصن المنيع والتي كانت مجرد حلم عاشته الأمة الإسلامية على مدى يزيد عن 8 قرون عندما قرر سيدنا "عثمان بن عفان" رضي الله عنه أن يقتحمها وتعددت المحاولات بعده ليتم الفتح الإسلامي لها 29 مايو 1453 م على يد محمد الفاتح ليطلق عليها "إسلام بول" و كلمة "بول" تعني "دار" ومع الزمن صارت هي "استانبول" عاصمة الجمهورية التركية.

هل الفيلم يقدم للجمهور في هذا التوقيت نوع من تضميد الجراح النفسية بعد مساحة الغضب الذي اجتاح العالم الإسلامي بضراوة بعد الفيلم المسيء للرسول عليه الصلاة والسلام فصارت المشاعر تطوق إلى استعادة صفحات مضيئة للإسلام القوي القادر على أن ينشر الإسلام وينتصر للعقيدة يعيد الحق لأصحابه لنرى إسلاماً فتياً يقدم الوجه المضيء للإسلام؟!

الفيلم هو أضخم إنتاج سينمائي تركي كما تقول أجهزة الإعلام هناك وسبق تقديم هذه القصة التاريخية في مسلسل تليفزيوني ومسلسل كارتوني وهي تحظى عادة بكثافة مشاهدة عالية.

المشهد الرئيسي هو عملية اقتحام الحصن المنيع الذي يحمي مدينة القسطنطينية الذي فشلت أعتى الجيوش في اقتحامه حتى أن البعض من بين القواد في الجيش التركي كانت قد انتصرت عليه مشاعر الهزيمة ولم يستطع سوى أن يبث روح الانهزام بين الجنود لولا أن السلطان "محمد الفاتح" كان لديه القوة بموقفه الفكري والنفسي فكان قادراً أن يبث الروح القتالية داخل نفوس جنوده بينما الآخرون يدعون للتراجع والانزواء.. لم يغفل الفيلم أن يضيف إلى الروح المتأججة خيوطاً عاطفية وأن يؤكد على أن المسلمين لم يخاصموا العلم ،بل في صراعهم مع العدو بقدر ما كانوا يهتفون بقلوبهم قبل حناجرهم الله أكبر كانوا يصنعون مدافع جبارة تفاجئ العدو لتتمكن قنابلها أن تقتحم تلك الأسوار التي صارت حصناً عصي على الاختراق.

في عدد من التفاصيل شاهدت بعض مقاطع من فيلم "الفاتح" وكأنها تُقدم شيء من فيلم "أحدب نوتردام" الذي لعب بطولته قبل 60 عاماً "أنتوني كوين" وكأنه تنويعة أخري خاصة في تلك المشاهد التي حاولوا فيها اقتحام الكنيسة في الفيلم الأمريكي الشهير.

الفيلم التركي كما تشير كل وسائل الدعاية المواكبة له يحقق أعلي إيرادات الآن في تركيا ولكني لا أتصور أنه سوف يحظى بنفس القدر من الاهتمام في مصر ومن المنتظر أن يعبر من مصر إلي باقي الدول العربية.. أرى أنها تجربة محفوفة المخاطر التجارية في عالمنا العربي.

فلقد عرض في مصر بعدد محدود من النسخ وكانت الخطة هي أن الفيلم سوف يحدث تماساً مع الجمهور ليزداد الإقبال عليه ومن بعدها يزداد عدد النسخ خاصة وأن تلك المرحلة خالية من أفلام مصرية حديثة الكل ينتظر عيد الأضحى لعرض الأفلام ولهذا دفعوا بالفيلم التركي ليملأ فراغ دور العرض إلا أن الأمر لا يمكن فقط قياسه بحالة ركود السوق السينمائي المصري حالياً.

الفيلم التاريخي لم يكن مضبوطاً على موجة الجمهور المصري هل لأنه تاريخي وليس اجتماعياً مثل العديد من المسلسلات التركية التي عرضت وحققت إيرادات ضخمة خلال تلك الفترة  خاصة وأن الدوبلاج جاء باللغة الفصحى وجمهور السينما المصري لم يعهد التعامل بها أو حتى التفاعل معها سينمائياً.

أعتقد أن الأمر لا يقاس فقط على هذا النحو ولكن الجانب الآخر من الصورة هو أن هناك حالة إبداعية أخرى ونوع آخر من الأفلام نراها أمامنا ليست فقط الأفلام الأمريكية التي تسيطر على المزاج النفسي للجمهور ولكن بعد فتح شباك للسينما التركية أنتظر أن يفتح شبابيك أخرى لأفلام يونانية وفرنسية وأسبانية وغيرها وقبل ذلك أن نري أفلاماً عربية حيث أن دور العرض المصرية لم تستقبل سوى أفلاماً لبنانية آخرها "هلأ لوين" للمخرجة اللبنانية "نادين لبكي" وسبقه أيضاً لنفس المخرجة "كراميل" ولكن لا يزال النجاح التجاري بعيد عن التحقق.

نافدة تركية لا بأس.. التجربة لم تنجح تجارياً ولكن ينبغي أن يظل الباب مفتوحاً أمام كل الأفلام والجنسيات ثم لماذا لا نحاول أن نردها للأتراك ونصدر لهم أعمالنا الفنية وحالياً يجري التفاوض على عرض بعض المسلسلات المصرية هناك كما أن مطربة مثل "غادة رجب" قدمت مؤخراً شريطاً غنائياً كاملاً بالتركية.

في نهاية الستينيات وتحديداً بعد هزيمة 67 تعثر الإنتاج السينمائي المصري وسافر "فريد شوقي" إلى تركيا ولعب بطولة عدداً من الأفلام مثل "بعت حياتي" و "عثمان الجبار" و "مغامرة في استانبول" وحققت تلك الأفلام نجاحاً ضخماً وأصبح "فريد" في الشارع التركي مثل "مهند" يطلقون عليه من فرط شهرته "عثمان" وسبحان مغير الأحوال!!

المقال يعبر عن رأي صاحبه