EN
  • تاريخ النشر: 31 مارس, 2012

"ويليام تل" لروسيني: عن البطولة الفردية واستقلال سويسرا

إبراهيم العريس

إبراهيم العريس

أوبرا «ويليام تل» هي واحدة من تلك الأعمال الوطنية

  • تاريخ النشر: 31 مارس, 2012

"ويليام تل" لروسيني: عن البطولة الفردية واستقلال سويسرا

(إبراهيم العريس) كان يمكن لروسيني أن يستعين بالنص الشعري التمثيلي الرائع؛ الذي كتبه فردريك شيلر عن حكاية «ويليام تل»؛ ليحوّله إلى تلك الأوبرا التي كانت كتابتها خاتمة حياته الأوبرالية، لكنه لم يفعل، بل فضّل أن يستعين بنص ثانوي الأهمية من ناحية قيمته الشعرية، وضعيف الحبكة من حيث قيمته الدرامية، كتبه في الفرنسية فكتور أتيان، عن الشخصية نفسها، شخصية ويليام تل.

استعان روسيني إذًا بهذا النص ولحّنه، وكان يلعن الساعة التي اختاره فيها ويعدّله أحيانا بشكل جذري. ووصل به الأمر أيضا إلى أن يلجأ إلى كاتب آخر لإبدال فقرات وعبارات بأسرها.

وفي النهاية أنجز العمل، وكانت النتيجة، على أية حال واحدة من أفضل الأوبرات التي موسقها جياكومو روسيني في حياته، هو الذي كتب عددا كبيرًا من الأوبرات، في متن كان عملاً استثنائيا في مساره.

وكان من شأن استثنائية هذا العمل أن ملحنه الكبير قرر من بعده أن عمله الأوبرالي قد اكتمل، وأنه لن يعود إلى كتابة أي أوبرا بعد ذلك.

وكان هذا هو ما حدث بالفعل، فكانت أوبرا «ويليام تل» واحدة من تلك الأعمال التي يختتم بها مؤلفوها مرحلة من حياتهم، ويشعرون أنهم قالوا فيها كل ما تبقّى لهم أن يقولوه في مجال معين، فإن جرأوا بعد ذلك وواصلوا، لن يتمكنوا أبدا من بلوغ مستوى مرضٍ.

> أوبرا «ويليام تل» هي واحدة من تلك الأعمال الوطنية، التي ستصاغ على نمطها، كتابة ولحنا، أعمال أوبرالية كثيرة كتبت في القرن العشرين وحملت سمات «العمل البطولي». وذلك بالتحديد لأنها -حتى خارج إطار قيمتها الموسيقية البحتة- أتت لتتحدث عن شعب تاق إلى حريته واستقلاله؛ فكان له ما أراد، بكفاحه -كما يقول العمل- ولكن أيضا بفضل تلك البطولة الفردية التي كانت تمثل في ذلك الحين آخر ما تبقى من بقايا النزعة "الرومانطيقية"؛ التي كانت ترى في الفرد، غاضبا وثائرا ومتطلعا إلى الأفضل، محرّكا لثورة المجموع.

غير أن وجود هذه الإرادة الفردية في «ويليام تل» يجب ألا يحول بيننا وبين أن نرى في هذا العمل تمهيدا لنزعة بدت واضحة في بعض أعمال برتولد بريخت، في القرن العشرين، وفيها يجد «البطل» نفسه مسوقا إلى أفعاله البطولية، ليس تحت ضغط عامل ذاتي إرادي، بل تحت ضغط ظروف خارجية تدفعه إلى البطولة والفعل دفعا.

> في أوبرا «ويليام تل» تقدم لنا شخصية هذا البطل الشعبي السويسري، وهو يذرع الكانتونات، أيام النضال الوطني الذي تخوضه الكانتونات السويسرية للتحرر من الإقطاعيين السائدين مرتبطين بالمحتل النمساوي.

ويمثل هؤلاء السيد غيسلر؛ الذي يتحكم في العباد كما يشاء، ويقمع انتفاضات الفلاحين.

وتبدأ الأوبرا بفتى سويسري من أبناء الشعب هو أرنولد، المقيم في كانتون أوري قرب ألتفورد. أرنولد هذا مغرم بماتيلدا سليلة العائلة الحاكمة. وهذا الغرام يمنعه من مشاهدة حقيقة الاحتلال، حتى اللحظة التي يقترف فيها المحتلون فظائعهم؛ فلا يكون من أرنولد إلا أن ينضم إلى الثورة مصرّحا لماتيلدا بأن الوطن عنده أهم من الحب.

وفي الوقت نفسه يصل رامي السهام الشهير ويليام تل وابنه جيمي. وما إن يظهرا حتى يتكالب الجمع من حولهما، إذ يعتقد أنهما من الثائرين ويساقان إلى مقام غيسلر؛ الذي يعد ويليام تل بأن يعفو عنه إن هو وضع تفاحة فوق رأس ابنه جيمي، وأصابها بالسهم.

يتردد الأب، لكن ابنه يشجعه، ويصيب ويليام التفاحة بالفعل. ولكن في تلك اللحظة وإذ يستعدّ غيسلر للعفو عنه، يسقط سهم آخر من بين ثياب ويليام، وحين يسأله غيسلر عن الغاية منه يقول له وقد طفح الكيل: «كنت سأرميك به لو قتل السهم الآخر ابني». وعلى الفور يقبض غيسلر على ويليام تل، بينما تأخذ ماتيلدا الفتى جيمي تحت حمايتها.

ولكن الأمور سرعان ما تنقلب على غيسلر، حين يروح أرنولد مجمعا الثوار الفلاحين في منطقة البحيرات، وقد قرروا أن يشنوا هجوما ساحقا على قلعة السيد، في وقت كان هذا على متن مركب يأخذه إلى القلعة، وفي رفقته أسيره ويليام تل. وفجأة تهب عاصفة عاتية يكاد المركب معها يغرق، فلا يكون من ويليام تل إلا أن يمسك بالدفة منقذا المركب وركّابه من الغرق. ويتمكن من إيصال المركب إلى صخرة يتوقف عندها.

وفي اللحظة نفسها يأخذ ويليام سهم ويرديه غيسلر قتيلا. ويعم الحماس الشعب الذي يحيط بويليام تل مادحا بطولته، في الوقت الذي تأتي فيه الأخبار مؤكدة أن الثوار قد استولوا على القلعة، وأن سويسرا قد تحررت من المحتلين.

> تعتبر أوبرا «ويليام تل» أفضل عمل كتبه روسيني في مجال الأوبرا الدرامية، كما تعتبر أوبرا «حلاق إشبيليا» أفضل ما كتب في مجال الأوبرا الهزلية. ولكن، لئن كان روسيني، بعد النجاح الكبير الذي حققته هذه الأخيرة، قد استشاط حماسا وانكبّ على المزيد من الكتابة للأوبرا، فإنه بعد «ويليام تل» صمت تماما عن كتابة الأوبرا، وظل صامتا عنها حتى رحيله في العام 1868م، أي طوال نحو أربعين سنة، إذ إن «ويليام تل» قدمت للمرة الأولى في صيف العام 1829م، فور انتهاء روسيني من كتابتها.

ولكن لماذا صمت روسيني من بعدها؟ سؤال ظل على الدوام من دون إجابة، خصوصا وأن روسيني كان حين ألف هذه الأوبرا الأخيرة، لا يزال في السابعة والثلاثين من عمره، وهو وضع العدد الأكبر والأهم من أعماله الأوبرالية، خصوصا خلال ذلك القسم الأول من حياته، مفضّلاً في القسم الثاني أن يعتزل في الدارة التي اشتراها لنفسه في منطقة باسي الفرنسية الراقية، مخلدا إلى هدوء وكسل غريبين، سرعان ما أصبحا أسطوريين. والغريب أنه حين رحل عن عالمنا في العام 1868م خلّف ثروة طائلة نادرا ما قيّض لموسيقي في زمنه أن يخلف مثلها.

> ومن المؤكد أن روسيني قد جمع تلك الثروة بفضل عمله الكثيف والغزير الذي انكب عليه خلال فترة شبابه، حيث كتب وعرض الكثير من الأوبرات التي لقيت إعجاب الجمهور وهواة الأوبرا في ذلك الزمن، لقيت في الوقت نفسه إعجاب كبار الموسيقيين الذين رأوا في روسيني أستاذا لهم، ومن هؤلاء مواطنه الكبير فيردي وفاغنر وسوليفان ومندلسون، فهؤلاء جميعا، ولا سيما بعد "ويليام تل" صاروا من زوار روسيني الدائمين وأحيانا من مقلديه.

> ولد جياكومو روسيني العام 1792م في بيزارو بإيطاليا. وكان والده، الموظف في إدارة المسالخ في تلك المنطقة، يمضي أوقات فراغه في عزف آلة "الكور" مع أوركسترا الكنيسة. وهكذا حين نشأ روسيني الفتى وجد نفسه منقادا بشكل طبيعي ناحية الموسيقى، خصوصا وأن أمه كانت أيضا موسيقية. ومنذ طفولته راح روسيني يغني في جوقة الكنيسة. وكان الفتى في الثامنة عشرة حين أبدع عمله الأوبرالي الأول (مسرحية غنائية من فصل واحد عنوانها «وثيقة الزواج» قدمت في فينيسيا وأثارت إعجابا عاماومنذ ذلك الحين، وحتى العام 1829م، حين قدمت «ويليام تل» وتوقف بعدها، كتب روسيني عشرات الأعمال، من أهمها «الإيطالية في الجزائر» و«حلاق إشبيليا»... وفي العام 1824م توجه روسيني إلى باريس ليعمل في بلاط الملك شارك العاشر. وهو منذ ذلك الحين استوطن فرنسا، وعمل فيها. وفيها رحل... وهو في قمة مجده وكسله.

* نقلا عن صحيفة "الحياة" اللندنية.