EN
  • تاريخ النشر: 06 مايو, 2012

"في أرض الدم والعســـل».. فيلم النوايا الحسنة

fan article

"في أرض الدم والعسل» فيلم هزيل، مركب بما يخفي تفككه أيضاً، وهو إن كان فيلماً يريد الإضاءة على ما حدث في البوسنة فهو لم يفعل لأنه أقل من الحدث

  • تاريخ النشر: 06 مايو, 2012

"في أرض الدم والعســـل».. فيلم النوايا الحسنة

(زياد عبد الله) ما الذي يدفع أنجلينا جولي إلى إخراج فيلم عن حرب البلقان؟ كيف للنجمة الأميركية أن تقارب تلك الحرب والمجازر التي ارتكبها الصرب ضد البوسنيين في فيلمها In The Land of Blood and Haney «في أرض الدم والعسل» المعروض حالياً في دور العرض المحلية؟ أسئلة على اتصال باستقبال الممثلة في دنيا الإخراج ونحن نتكلم عن أولى تجاربها، هي التي تحتل أخبارها وسائل الإعلام وترافقها الكاميرا أينما حلت خصوصاً حين يتعلق الأمر بشيء على اتصال بعلاقتها ببراد بيت، هي كثيرة التنقل أيضاً كونها سفيرة النوايا الحسنة التي نجدها متنقلة من مخيم لاجئين إلى آخر ونحن نشاهد مشاعر التأثر على وجهها أكثر مما يعانيه أولئك المهجرون.

الإجابة تأتي تماماً من حزمة كاملة من الأفعال الإنسانية التي تخوض غمارها النجمة الجميلة، وهي في هذا السياق لن تكون لارا كروفت كما في «تومب رايدر» أو «مسز سميث» ولا حتى «سالت»، حيث القدرات الخارقة التي تتحلى بها وتقودها إلى اجتياز الصعاب والانتصار على الأشرار بمنتهى الخفة والذكاء وكل ذلك بيدي امرأة جميلة تأخذ بعقول وألباب المشاهدين، ومع حفنة الأدوار تلك التي قدمتها فإنها تقوم خارج الشاشة بتعقب البؤس البشري بوصفها سفيرة النوايا الحسنة في الأمم المتحدة، وهي غارقة حتى العظم بالمآسي والمجاعات وما إلى هنالك مما يمشي يداً بيد مع تقاضيها 20 مليون دولار على دورها في فيلم «سالت» ومليوناً واحداً فقط على صوتها في «كونفو باندا»، ولعل ربع مبلغ مما تتقاضاه السيدة جولي كفيل بحل مشكلات مئات آلاف الجياع في العالم، لكن ماذا نفعل إن كان العالم يتغذى على العلاقات العامة الجوفاء التي تقول لنا إن طلتها البهية كفيلة كما يقول الشيخ إمام في أغنيته الشهيرة «فاليري جيسكار ديستان» «حتجيب الديب من ديلو وتشبع كل جوعان.. والعربيات حتموّن بدل البنزين برفان»، هذه أغنية جديرة بأن تستقبل بها على طريقة الشيخ إمام الساخرة، وكل ما تفعله هو التقاط الصور إلى جانب البؤساء ومن ثم تقوم باختيار عدد من الأولاد الأفارقة - لا أعرف عددهم إلى الآن ربما خمسة - وتقوم بتبنيهم بمنتهى العطف بما يرضيها هي وحدها، وصولاً إلى قرارها بخوض غمار إخراج فيلم والذي عليه أن يأتي على اتصال بهذا السياق وليقع خيارها على ما شهدته منطقة البلقان أو يوغسلافيا السابقة على اعتبار ذلك أيضاً على اتصال بما يطال البشر مع اندلاع الحروب الأهلية، والتي تكون - أي هذا النوع من الحروب - على قدر كبير من الوحشية، وليس في ما جرى للبوسنيين على يد إخوتهم الصرب إلا ما له أن يكون التجسيد الأكبر لما يمكن للحروب الأهلية أن تصل به من دموية وحملات تطهير عرقي مارستها القوات الصربية.

أفلام بوسنية مهمة جداً ستحضر قبل مشاهدة هذا الفيلم وبعده، كما هو الحال مع فيلم «غربافيتشا» لياسميلا زبانتيش والذي نال الدب الذهبي في برلين ،2006 ولعل عبارة ترد في نهاية فيلم أمير كوستاريسا الشهير «تحت الأرض» 1995 لها أن تكون مرثية لبلد هو اتحاد جمهوريات يوغسلافيا تقسم بعد حرب أهلية ضروس تقول «كان يا ما كان هناك وطن» بحيث ورثت هذا الوطن صربيا التي أرادت حين أعلنت البوسنة استقلالها عنها أن تعيدها إلى سلطتها مهما كلف الثمن، وهنا يمكن الحديث عن صراع بين المسيحيين والمسلمين وليكون المسلمون أقلية في ذلك البلد تعرضوا إلى حملات منظمة من التصفية العرقية وسلسلة منظمة من اغتصاب النساء على أيدي الجنود الصرب بما يصل إلى تعرض 50 ألف امرأة للاغتصاب كما يرد في نهاية فيلم جولي. ستختار جولي التي كتبت وأخرجت «في أرض الدم والعسل» الطريقة الجاهزة لمقاربة الحرب، لتوضيح ما يمكن أن يطرأ على البشر في الحروب الأهلية، ألا وهي مجاورة الحب للحرب، وسيبدأ الفيلم مع أيلا (زانا مورنوفيك) وهي متوجهة إلى حفلة سرعان ما نجدها وهي ترقص مع شاب نحيل وأشقر هو دانيال (غوران غوستيكثم فجأة وعلى الطريقة الهوليوودية الأسيرة يحدث انفجار، وبالتالي فإن علينا أن نعرف أن الحرب أو الاضطرابات قد بدأت، ولننتقل زمنياً إلى أربعة أشهر بعد هذا الحدث، حيث تكون الحرب قد بدأت ونحن حيال حملة تهجير للمسلمين من المناطق الصربية، فكما يبدو فإن أيلا صربية لكنها مسلمة، وبالتالي تؤخذ إلى معسكرات الجنود حيث سيجرى تحويلها ومن معها من نساء إلى خادمات للجنود الصربيين، وهذه الخدمة تتضمن كل أنواع الخدمة بما في ذلك الجنسية، حيث سيتعرضن للاغتصاب على الدوام من قبل الجنود، لكن أيلا ستحظى بحماية دانيال الذي سنقع عليه وقد أصبح «كابتن» في الجيش الصربي أو كان كذلك ولم نكن نعرف، وبالتالي فإننا سنتابع قصة الحب بين دانيال وأيلا، وملابساتها وصعودها وهبوطها، وكيف لهذا الحب أن يتواصل بين رجل يقتل كل من ينتمون إلى دينها أو عرقها، وامرأة يراها ذلك الرجل مصدراً للقلق والشك كونها تنتمي إلى من صاروا أعداءه.

الخط العام للفيلم مبني وفق متطلبات الميلودراما، وكيف للحرب أن تحول الجميع إلى ضحايا، وعدا ذلك فإن هناك مشاهد على اتصال بما يقوم به الجنود الصرب من أفعال اغتصاب وقتل، وكيف يأخذون النساء دروعاً بشرية، وفي سياق ذلك مساعي أيلا للهرب بمساعدة دانيال، إلى أن نصل إلى النهاية مع سماعنا في الراديو موقف مادلين أولبرايت والايعاز الدولي للتدخل بعد ثلاث سنوات ونصف من القتل والمجازر. هذه النهاية ستكون منفصلة عن منطق الفيلم الرتيب، حيث ستعلن أن الحرب وانتماء الإنسان إلى فئة دون غيرها سينتصر على كل القيم الإنسانية التي يحرضها الحب، وعلى عكس كل ما يضيء عليه الفيلم في البداية، خصوصاً أننا نرى أيلا متيمة بدانيال والعكس صحيح، وكل ما يعتري علاقتهما سرعان ما يبدده الحب، لكن وعلى الطريقة الهوليوودية فإن هناك ما لا نعرفه سرعان ما سيصحو في النهاية ويفاجئنا، فما يجري في دواخل أيلا لا يعرفه أحد إلى أنجلينا جولي وحين تقاسمنا إياه فستكون النهاية محققة لشروط المفاجأة. «في أرض الدم والعسل» فيلم هزيل، مركب بما يخفي تفككه أيضاً، وهو إن كان فيلماً يريد الإضاءة على ما حدث في البوسنة فهو لم يفعل لأنه أقل من الحدث، وعلاقة الحب التي تريد لها جولي أن تكون حاملاً لذلك عاجزة عن جعلنا مأخوذين بما نشاهده وليس في الأمر إلا تكراراً لمئات الأفلام التي شاهدناها كما لو أن مشهد المتحف الذي يأخذ دانيال أيلا لمشاهدة اللوحات على ضوء المصابيح هو المشهد عينه في «المريض الإنجليزي» حين يرفع الجندي الهندي جوليت بينوش لترى رسوم الكنيسة على ضوء المصابيح.

* نقلا عن صحيفة الإمارات اليوم