EN
  • تاريخ النشر: 30 أبريل, 2012

"عادل إمام" هل أنقذه هجوم التيار الإسلامي؟!

طارق الشناوي

طارق الشناوي

القضية الأساسية التي شغلت الناس هي الدفاع عن حرية التعبير والخوف من أن تتسع الدائرة أكثر من ذلك لتشمل كل المبدعين والمثقفين وكان "عادل إمام" هو العنوان ولهذا دافع عنه المثقفون والنخبة وقطاع من الجمهور

  • تاريخ النشر: 30 أبريل, 2012

"عادل إمام" هل أنقذه هجوم التيار الإسلامي؟!

(طارق الشناوي-mbc.net) لا شك أن "عادل إمام" صار الآن مديناً لتلك الدعوى التي أقامها المحامي المجهول لأنها أعادته مرة أخرى للبؤرة ليكتسب تعاطف الناس أو قطاع وافر منه ويعود ليحتل مقعد الزعيم الذي يتمحور حوله الفنانون والمثقفون يدافعون عنه ويتبنون مواقفه، وفى الوقت نفسه تسانده الجماهير في القضية التي أدين في مرحلتها الأولى بالحبس ثلاثة أشهر.

عاد "عادل" بعد غياب لمقدمة الكادر بطلاً باعتبار أنه هو الذي تصدى في أفلامه لخفافيش الظلام وأن الضربات الموجعة التي وجهها لهم في زمن "حسني مبارك" قبل خلعه لا تزال تؤثر فيهم والدليل أنهم وضعوه أمامهم باعتباره لوحة التنشين التي يوجهون إليها كل ذخيرتهم الحية.

الجانب الإيجابي الذي يصب لصالح "عادل" هو أن الجميع الآن أصبح في نفس الخندق معه وأسهم كل ذلك في ترسيخ الصورة الذهنية التي لعبت أجهزة الدولة في عهد مبارك دورها لتأكيدها في الأذهان وبدأ البعض ينسى أنه كان الصوت المؤازر لمبارك والمدافع عن التوريث طوال السنوات الأخيرة وأحاديثه من الصعب بل المستحيل أن يتنكر لها فهي موثقة في الفضائيات وعلى اليوتيوب ومتاحة للجميع.

"عادل" عانى بعد الثورة الكثير وفقد الحماية التي كانت توفرها له الأجهزة في النظام السابق، والكل يعرف أن أفلامه التي تبدو في جانب منها معارضة هي في واقع الأمر أفلاماً تعرف بالضبط أين تقف وما هي الحدود المتاحة في الانتقاد، وفي الدول التي تملك فيها السلطة القبض بيد من حديد على كل منافذ التعبير دائماً ما يسمح لفنان موال للسلطة بأن يلعب بين حين وآخر دور المعارض الذي في النهاية يتولى التنفيس عما هو مكبوت داخل المجتمع.

أفلام ومسرحيات "عادل" تجد لها مثلاً تنويعة أخرى لما قدمه "دريد لحام" في سوريا.. "دريد" كان هو رجل "حافظ الأسد" الأول وبعد رحيله صار هو رجل "بشار الأسد" الأول، ولهذا يسمح له بأن ينتقد النظام ولو نجح سيناريو التوريث في مصر فلا نشك أبداً أن "عادل" كان سيصبح هو الصوت الأعلى للترويج لـ "جمال مبارك".. بالطبع الهامش الذي كانت تسمح به مصر في الانتقاد أكبر من الهامش السوري، إلا أنه في كل الأحوال الأمر لا يختلف فقط سوى في الدرجة إلا أن المحاذير معروفة لأنهم في نهاية الأمر يحافظون على رأس النظام.

"عادل" في هذا الموقف يدفعنا ولا شك شعورياً لمؤازرته وأتصور أن الكثيرين تناسوا سريعاً ما حدث في الماضي في تلك اللحظات لن يتوقف أحد في كثير أو قليل أمام "عادل" ودوره المخزي في الثورة حيث ظل حتى اللحظة الأخيرة لديه اعتقاد راسخ بأن مبارك سوف يعبر الأزمة ويعود مجدداً ومسيطراً على زمام الأمور بل أقوى مما كان.

هل الزعيم بالفعل عادت له الزعامة التي فقدها مؤخراً بعد أن تغيرت الدنيا من حوله وصار عليه أن يلعب على طريقة لعبة "السلم والثعبان" حيث إن ثورة يناير أعادته للمربع رقم واحد بعد اعتلائه القمة الجماهيرية وكأنه قد أصابه "ثعبان" ولدينا عديد من المظاهر التي أكدت ذلك مثلاً اضطرت إحدى شركات المحمول أن توقف عرض الحملة التي سجلها لها قبل الثورة مباشرة؛ لأنها تأكدت أنه فقد قسط وافر من جاذبيته بل إنها -وتلك هي المشكلة الأكبر- اكتشفت أن اسمه وتردده في التعامل مع الثورة أدى إلى تراجع الناس عن شراء خطوطها فلم تجد مفراً سوى أن تتحمل الخسارة المادية وتصادر الحملة برغم أن المقابل الذي حصل عليه "عادل" للتصوير وصل إلى مليون دولار.

بعد ثورة يناير، أعاد البعض رصد الصورة كاملة في علاقة "عادل" بالسلطة البائدة وهذا الخيط السحري الذي يجمع بين أفلام ومسرحيات تبدو ظاهرياً أنها تنتقد السلطة بينما هي في واقع الأمر تحافظ على بقاء النظام.. كل هذه الأعمال الفنية نعلم جيداً أنها ليست للمعارضة ولا يحزنون وأنها قُدمت لكي تُرضي السلطة بالتنفيس عن غضب الجماهير أصبحت الآن عند البعض تعبر عن موقف فكري اتخذه "عادل إمام" ضد السلطة برغم أنها كانت هي ابنة شرعية للسلطة.. أفلام مثل "السفارة في العمارة" لا يمكن سوى أن تصبح مجرد تعبير مباشر عن العلاقة الرسمية بإسرائيل والذي وافق على  تصوير الفيلم طبقاً لما كان يذكره دائماً "عادل إمام" هو "حسني مبارك" فلم يستطع لا "حبيب العادلي" ولا "زكريا عزمي" ذلك حتى منحه "مبارك" الضوء الأخضر.

كل ما يُقدم عليه "عادل" فنياً تستطيع أن ترى فيه وأنت مطمئن أصابع الدولة تلعب دوراً فهو مثلاً في أفلامه لم ينتقد التوريث سواء بأسلوب مباشر أو غير مباشر لم ينتقد سطوة السيدة الأولى من قريب أو بعيد.. كل ذلك وغيره كان "عادل إمام" ملتزماً برأي الدولة أكثر من ذلك كانت مواقفه خارج نطاق الكاميرا وخشبة المسرح كلها تعضيد للنظام شاهدناه مثلاً يتابع "حسني مبارك" في لقاءاته  وجولاته في عديد من المحافظات كرئيس للحزب الوطني هل كان" عادل" مقتنعاً بكل هذا أم إنه ينافق الرجل الكبير.. هل عندما يصرح في أكثر من لقاء أن "جمال مبارك" هو الأصلح لحكم مصر بعد أبيه هل كانت بالفعل تلك هي رؤيته أم إنه كان ينافق السلطة؟!

نعم المؤشرات جميعها تؤكد أنه كان يمالئ السلطة والسلطة تلجأ إليه في الترويج لها حتى رحلته إلى أسيوط قبل أكثر من عشرين عاماً كشف نقيب الصحفيين السابق "مكرم محمد أحمد" قبل بضعة أسابيع على صفحات الأهرام أنه هو صاحب الاقتراح بعرض مسرحية "الواد سيد الشغال" هناك   وأن الشرطة بناء على طلب "مكرم" كانت هي التي تحميه أي أن "عادل" لم يبادر كما يذكر في كل أجهزة الإعلام للقيام بهذه الرحلة ملحوظة تم توثيق تلك الزيارة في فيلم تسجيلي أخرجه "أحمد يحيى" باسم الرحلة تستطيع أن تلحظ فيه ببساطة كيف كان رجال الشرطة يوفرون حماية مكثفة لعادل.

القضية الأساسية التي شغلت الناس هي الدفاع عن حرية التعبير والخوف من أن تتسع الدائرة أكثر من ذلك لتشمل كل المبدعين والمثقفين في مصر بل والعالم العربي وكان "عادل" هو العنوان ولهذا دافع عنه المثقفون والنخبة وقطاع من الجمهور ولكن يظل هذا الأمر مرتبطاً فقط بتلك القضية التي كانت بمثابة "السلم" الذي قفز به إلى القمة ولكن بعد أن تهدأ الأمور سيعود مرة أخرى مجدداً في علاقته بالجماهير للمربع رقم واحد!!