EN
  • تاريخ النشر: 01 نوفمبر, 2011

"ترابـيكا " ذهبـه أســـــــود

fan article

fan article

الكاتب زياد عبد الله يلقي الضوء على فيلم"الذهب الأسود" في مهرجان الدوحة السينمائي «ترابيكا»

(زياد عبدالله ) مع افتتاح الدورة الثانية من مهرجان الدوحة السينمائي «ترابيكا» أول من أمس، يمكن الحديث أولاً عن الضخامة الإنتاجية، وذلك بالتزامن مع الحديث عن فيلم افتتاح هذه الدورة «الذهب الأسود»، لا بل إن البيان الصحفي الخاص بالمؤتمر الذي عقد بعد عرض الفيلم حمل عنواناً مثيراً ويستدعي التوقف، يعتبر فيه «الذهب الأسود» بداية عصر جديد للسينما العربية! ولعل هذا التوصيف يأتي قبل أي شيء من الضخامة الإنتاجية والحديث عن كلفة وصلت إلى ما يزيد على 55 مليون دولار، وهو إنتاج مشترك بين شركة «كوينتا» للإعلام التي يملكها المنتج التونسي طارق بن عمار ومؤسسة الدوحة للأفلام، كما أن عنوان الفيلم يخبرنا الكثير عن محتواه، كما لن يخفى على أحد أن الحديث سيكون عن النفط وبالتالي منطقة الخليج العربي، مع حضور أسماء مثل أنطونيو بانديرس وفريدا بينتو وطاهر رحيم، وآخرين بمن فيهم مخرج الفيلم الفرنسي جان جاك أنو صاحب «سبع سنوات في التيبت»، و«اسم الوردة» وأفلام أخرى كثيرة.

كل ما تقدم يقول لنا إننا حيال فيلم محتكم إلى كل الصفات العالمية إخراجاً وتمثيلاً، كما أن الإنجليزية ستكون لغة الحوار، بينما يتمركز موضوع الفيلم حول المنطقة العربية وشبه جزيرة العرب تحديداً، ومن الجدير ذكره قبل التقديم للفيلم والمضي خلف ما حمله، إيراد أن الفيلم مأخوذ عن رواية السويسري هانز روش «العطش الأسود»، ولتجتمع كل العوامل لنكون حيال فيلم يتطلع إلى أن يكون عابراً للحدود وعينه على صالات العرض العربية والعالمية.

ليس من الحكمة بشيء تتبع الفيلم دون الأخذ بعين الاعتبار أننا حيال فانتازيا لا تتكئ على التأريخ أو التوثيق، ولعل التحلي بهذه الحكمة قد يصمد أو لا يصمد أمام الفيلم الذي لن يكون حاسماً في هذا الخصوص، بمعنى أن بناء الفيلم يقترح إسقاطات وإحالات إلى مفصل تاريخي في تاريخ هذه المنطقة وهو يتكلم عن ظهور النفط في شبه الجزيرة العربية، الأمر الذي يمضي برفقة قصة ليس الخيال فيها فعلاً معلقاً بين السماء والأرض، بل له أيضاً أن يجد ما يوازيه في الواقع.

فيلم «الذهب الأسود» لا يمهلنا، فهو من البداية يضعنا في سياق صراعه الأساسي، فنحن حيال الأمير عمار «مارك سترونج» في صدد تسليم ابنيه إلى الأمير نسيب «أنتوني بانديراس» آخر كضمانة للسلام وعدم الاقتتال، واعتبار أرض بينهما بمثابة منطقة عازلة تسمى «المنطقة الصفراء»، وعليه سنقع على ولدي الأمير الأول يترعرعان في كنف نسيب (أنطونيو بانديراس) ومن ثم حضور الأمريكان واكتشافهما النفط في «المنطقة الصفراء»، الأمر الذي يستدعي من نسيب استعادة التفاوض مع عمار بهذا الخصوص، وليكون الأخير رافضاً لاستخراج النفط الذي يجد فيه استقداماً لمشكلات وأخطار كبيرة وتغييراً ينال من هوية سكان الصحراء، بينما نجد نسيب يتبع طموحه الجامع في تحويل مملكته من مملكة تقع تحت رحمة المناخ والأوبئة إلى مملكة قوية وغنية ونحن نجده ينتقل من افتتاح مشروع إلى آخر بما يشمل مرافق الحياة من تعليم وصحة وغيرها.

كل ما تقدم سيضعنا أمام الشخصيتين الرئيستين في الفيلم، وبشكل خاص نسيب الذي يجسد الأمير الإصلاحي المتطلع نحو تحديث وتطوير كل ما حوله، لكن سرعان ما سيتغير ذلك، وينحى كل ما قام به نسيب جانباً أمام ظهور عودة (طاهر رحيم) ابن عمار الذي تربى في كنف نسيب، والذي يكون مهووساً بالقراءة والكتب وبعيداً كل البعد عن القتال والصراعات، كما أنه يكون عاشقا متيما بابنة نسيب (فريدا بينتو) التي يتزوجها بما يضمن لنسيب وفاءه له عوضاً عن والده عمار.

الصراع بين عمار ونسيب، لكن عودة سرعان ما ينحاز لوالده، وهنا سيستدعي الفيلم الكثير من المعطيات بما فيها عبور عودة بما يوحي أنه الربع الخالي، في انعطافة نحو المغامرة المحفوفة بفعل شيء لم يقدم عليه أحد من قبل، وحضور المعارك الكبرى في الفيلم، مع انقضاض آليات نسيب المدرعة الشبيهة لتلك التي شاهدناه في فيلم «عمر المختار»، وسيكون في ذلك نقطة انعطافة الفيلم الرئيسة نحو تصعيد الأكشن وتحويل عودة إلى «مهدي منتظر»، إذ إنه يموت ويعود إلى الحياة، واستدعاء كل عتاد متاح لجعله أسطورة سرعان ما ستنتصر وتقرر خواتم الأشياء، حيث سيقتل والده بينما سيقوم بنفي نسيب.

يمكن اعتبار فيلم «الذهب الأسود» خلطة فانتازية لها بعض الملامح التاريخية المحفوفة بالمغامرات والتشويق والحب والفروسية، الأمر الذي يجعلنا أيضاً في سياق حيرات كثيرة في التنقل بين الشخصيات، والحديث عن رهانات الفيلم التي تتعدد وتتفاوت لئلا أقول تتصارع ويشوش بعضها على بعض، وإن كان الحديث عن القيمة الكبرى للفيلم خارج ضخامة إنتاجه كما لو أنه مسعى لأن يكون «لورانس العرب- الألفية الثانية»، فلنا أن نتفق على المتعة التي يتاح في سبيلها استخدام كل ما بمتناول اليد من وصفات لها أن تعزز تلك المتعة، حتى وإن كانت مستحضرة من سياقات عدة، بما يجعل «الذهب الأسود» أو النفط صراعاً درامياً يسخر كل شيء في خدمته، دون أن نكون في النهاية أمام قفزة في الهواء مع صعوبة العثور على رهان الفيلم!

لكن وحين الحديث عن المتعة لمجرد المتعة، فإن التشويش أيضاً سيحضر من جهات كثيرة، وبالعودة إلى كون هذا الفيلم يشكل بداية جديدة للسينما العربية، فإن ذلك غير صحيح أبداً، إنه فيلم مشغول بما نجهله، ولا علاقة له أولاً بالسينما العربية، بل هو من حيث البناء له أن يكون استشراقياً، وفي هذا السياق أيضاً سيكون علينا وضعه إلى جانب أيقونة سينمائية مثل «لورانس العرب»، الأمر الذي لن يكون صائباً أيضاً، ولعل السؤال الذي يحضر هنا: ماذا نفعل بهذا الفيلم إذن؟ سؤال لم أعرف الإجابة عنه! إلا إن رددت مع السياب «يا خليج يا واهب المحار والردى»، وليجيب الصدى بلا شيء، وربما بكلمة «الردى» فقط طالما أن الفيلم يحول الجميع إلى متقاتلين بمن فيهم عودة الذي كان من المفترض وكما قدم أن يكون حمامة سلام فإذا به يتورط بالاقتتال والصراع والدم.

(*) نقلا عن صحيفة الإمارات اليوم