EN
  • تاريخ النشر: 19 فبراير, 2012

"برلين السينمائي".. السياسي والفني يداً بيد

fan article

«مهرجان برلين» كما هو على الدوام مواكباً للمتغيرات التي تعصف بالعالم في ملمح من ملامحه منغمس بـ"السياسة"

  • تاريخ النشر: 19 فبراير, 2012

"برلين السينمائي".. السياسي والفني يداً بيد

«مهرجان برلين» في ملمح من ملامحه منغمس بـ«السياسة»، لكن عليّ أولاً أن أبعد عن هذه الكلمة الفظاظة، ووصف «التسيس» في سياق هذا المهرجان الذي يشكل فعلاً ثقافياً موازياً للسياسي، فالمهرجان مُصرّ، كما هو على الدوام، أن يكون مواكباً للمتغيرات التي تعصف في العالم، كما هو في دوراته، ولعله أي «البرليناله» عانى السياسة أكثر من أي مهرجان عالمي على الإطلاق، كونه ابن مدينة كبرلين، لا بل إن تأسيس المهرجان نفسه كان مسعى من أميركا والحلفاء لتقديم نموذج لليبرالية الغربية في مواجهة الشطر الشرقي، الذي يوصف بـ«القمعي والشمولي» حين كان في قبضة السوفييت.

طبعاً العودة إلى المساحة التي أفردها المهرجان للثورات العربية تأتي في هذا السياق، وقد قدمت لثلاثة أفلام تناولت هذا الشأن، عدا الندوات التي تناولت جوانب مما يعصف بعالمنا العربي، وكل ذلك برفقة جمهور متعطش لمعرفة كل شيء عن الثورات العربية.

هذا سبق وتناولته، وها أنا اتتبعه هنا، من خلال أفلام حملت ملامح تاريخية متناغمة تماماً مع صياغتها الفنية، كما هي الحال مع الفيلم الملحمي «وايت دير بلاين» للصيني وانغ كونان، والذي سبق وشاهدت له في الدورة الـ60 من «برلين السينمائي» فيلمه «معاً منفصلين»، الذي افتتح تلك الدورة، وجاء في سياق سياسي يستدعي برلين الشرقية والغربية، وكيف كانت العائلات الألمانية منفصلة عن بعضها بسبب الجدار، في اسقاط ذلك على ما حصل إبان ثورة ماو الثقافية، ومنفى الأب الذي يعود إلى شنغهاي، بعد أن كان ممنوعاً من ذلك وقد هرب إلى هونغ كونغ.

في «وايت دير بلاين» اسم المنطقة التي تجري فيها أحداث الفيلم، فإننا سنكون حيال ما كانت عليه الصين قبل انتصار الثورة الصينية، دون أن يصل الفيلم إلى تلك المرحلة. والفيلم ومن خلال امرأة وعلاقات الحب التي تتشابك عندها سيضيء على المجتمع القبلي والإقطاعي الذي كانت ترزح تحته الصين، وبدايات تشكل النقابات الفلاحية تحت عباءة الحزب الشيوعي، وكل ذلك يأتي في سياق قصة مملوءة بالانعطافات الدرامية، والحروب والمجاعات وكميات كبيرة من الظلم تنتهي مع الغزو الياباني للصين.

ولعل الفيلم دون أن يقول ذلك، يضيء لنا ما كانت عليه الصين ما قبل الثورة الشيوعية، وبما أننا نتكلم عن الغزو الياباني للصين، فإن فيلم زانغ يومو «ورود الحرب» الذي عرض خارج المسابقة ليس إلا إدانة كبرى ومترامية للاحتلال الياباني للصين، وبشاعة هذا الاحتلال الوحشي.

فيلم آخر استوقفني كثيراً من خلال موضوعه ألا وهو «علاقة ملكية» للدنماركي نيكولا آرسل، والذي يقدم شخصية تاريخية استثنائية في التاريخ الأوروبي ليست فولتير و لا مونتسيكو، لكنها على اتصال بهما وأفكارهما التي تبنتها الثورة الفرنسية، ألا وهو الطبيب الألماني يوهان ستراوسي، إلا أنه سرعان ما يتسرب إلى البلاط الدنماركي، ويهيمن على ملك الدنمارك الذي يكون ورقة يتلاعب بها المجلس المحيط به، وليقلب يوهان الآية، لكن لخدمة تنفيذ أفكاره التنويرية، وأخذ الملك الذي يعشقه إلى التوقيع على مجموعة من القرارت التقدمية والثورية التي تمنع الرقابة وتتيح حرية التعبير، وما إلى هنالك من أفكار تنويرية، ونحن نتكلم عن عام ،1768 أي قبل 11 من اندلاع الثورة الفرنسية.

نقطة ضعف يوهان ستكون في قلبه، وسيفشل كل شيء جراء عشقه للملكة والغرام المحموم بينهما، ومن إنجابها ابنة من صلبه، إذ سيكون مصيره مأساوياً من جراء ذلك، ومأخذاً ينتصر أعداءه الرجعيون عليه من خلاله. مع هذا الفيلم تحضر مقولة قراءة الماضي وفق معطيات الحاضر، وهذا كما لا يخفى على أحد هو المحرض الرئيس لما تستعيده الأفلام، وعند قراءتها كما نفعل هنا، فإنه لا يغيب عن أي ذهن حصيف، أهمية الفكر التنويري المترافق مع الفعل الثوري، وما أشد حاجتنا إليه نحن العرب في هذا زمننا الحاضر والراهن!.

نقلا عن صحيفة الإمارات اليوم