EN
  • تاريخ النشر: 09 يونيو, 2012

مصر تبحث عن مؤلف

علا الشافعى

علا الشافعي

«6 شخصيات تبحث عن مؤلف» نص المسرحى للكاتب الرائع لويجي بيرانديللو تدور أحداثه حول مخرج يستعد لتقديم مسرحيته، وهي مسرحية بلا فصول ولا مناظر، يتوقف فيها التمثيل مرتين

  • تاريخ النشر: 09 يونيو, 2012

مصر تبحث عن مؤلف

(علا الشافعي) توقفت عن الكتابة في الفترة الماضية ليس بإرادتي، ولكن شيئا ما كان يضغط علي بشدة فيصيبني بيأس كبير، شأني مثل كثير من المصريين، إحباط مما يجري حولنا، زادت حالة الارتباك وزادت معها التساؤلات، بات من الصعب أن تجد أحدا يملك تصورا واضح المعالم لما هو قادم في مستقبل هذا البلد، أو أن السيناريوهات المطروحة تحمل من السواد أكثر بكثير من روح التفاؤل، ولكن الذي حركني هو نص مسرحي عزيز علي عقلي وقلبي، نص يحمل أبعادا فلسفية، ويدور ما بين الواقع والخيال، ولأنه من أوائل النصوص التي دارسناها بالمعهد العالي للسينما وجدتني أفتش عنه وهو «6 شخصيات تبحث عن مؤلف» للكاتب الرائع لويجي بيرانديللو، الذي ولد في «1867 - 1936م». وهو النص المسرحى، الذي تدور أحداثه حول مخرج يستعد لتقديم مسرحيته، وهي مسرحية بلا فصول ولا مناظر، يتوقف فيها التمثيل مرتين.. المرة الأولى لا يسدل فيها الستار، وذلك عندما يغادر المخرج ومهندس الديكور خشبة المسرح ليكتبا السيناريو.. وكذلك يغادر الممثلون.. والمرة الثانية يسدل فيها الستار خطأ عندما يسهو الكهربائي «عامل الستار» فينزل الستار.

عندما يدخل المتفرجون قاعة المسرح.. يكون الستار مرفوعا والمسرح نفسه كما هو طوال اليوم.. فليست هناك ديكورات.. وهو خال وفي شبه ظلام، وذلك كي يشعر المتفرجون من البداية أنهم يشاهدون مسرحية لم يتم إعدادها بعد. إلا أن هناك 6 شخصيات حقيقية تجد المسرح أمامها، فيصعدون إلى خشبة المسرح لعرض مأساتهم، ولرغبتهم في أن يصدقهم الجمهور ويتماهى معهم مؤلف النص وهو مشهد عبثي يدور ما بين أبطال المسرحية، التي من المفترض أن تقدم، وما بين تلك الشخصيات الست والتي تبحث عن الخلاص، وهم الأب والأم والابن والابنة وشابان ذهب كل منهما يقدم نفسه وأحلامه وما يرغب في تحقيقه ويستعرض رؤيته للآخر، أمام الجمهور، وأخذت تلك الشخصيات تصول وتجول على خشبة المسرح في محاولة لكسب التعاطف من الناحية، ومن ناحية أخرى التطهر والبحث عما ينقذه من الواقع المرير الذي تحيا فيه، إنها شخصيات حقيقية ذهبت لتبحث عن مؤلف يقدم مأساتها على المسرح، وبالطبع يجد مؤلف النص نفسه عاجزا عن مجاراة واقع هذه الشخصيات وواقع شخصياته التي صاغها من خياله، خصوصا مع تشابك الأحداث وتداخلها، ولم يجد المؤلف بدا من طرد كل هذه الشخصيات جميعها من خياله، عندما عجز عن صياغة نص يكون راضيا عنه تمام الرضا فذهبوا يرتجلون على المسرح كل منهم يبرئ نفسه، ويتشفى في الآخر حتى ولو على حساب إدانته، وكل منهم يزعم في أنه يملك الحقيقة المطلقة وهو الشخص الذي يستطيع أن يضع الآخرين على الطريق الأمثل، وما بين الحقيقة كما هي وكما ينبغي أن تكون وما بين الخيال الذي يتوهمه كل من الشخصيات الستة، والواقع تتوه الحقائق ويزدادون فرقة وخلافا، أعتقد أن هذا النص المسرحي الذي صاغه المبدع «بيراندللو» وعرض لأول مرة في روما عام 1921 وانقسم حولها الجمهور ما بين مؤيد لها ومعارض بشدة، إلا أننا لو تأملنا هذا النص فسنجد وكأنه يتحدث عن الواقع الذي تعيشه مصر حاليا وانقسام الجميع، فهناك من يحلم بالحرية وهناك من يستغل ذلك الحلم، وهناك أصحاب المصالح التي تلتقي عادة علي حساب أرواح الشهداء والحالمين، لذلك فمصر حاليا تبحث عن مؤلف، مؤلف يعمل فقط بقلبه وعقله بعيدا عن مصالحه الشخصية فهل تجد مصر مؤلفها أقصد مخلصها.

* نقلا عن صحيفة اليوم السابع القاهرية