EN
  • تاريخ النشر: 13 يونيو, 2012

مأساة في وضح "النهار"

fan article

الفضائيات العربية أغفلت خبر رحيل قامات فكرية وثقافية وأدبية وإعلامية مثل الراحل غسان تويني، آخر أمراء الصحافة اللبنانية

  • تاريخ النشر: 13 يونيو, 2012

مأساة في وضح "النهار"

(إبراهيم حاج عبدي) هي حكاية تراجيدية؛ استثنائية، بكل المقاييس، تلك التي عاشها الراحل غسان تويني، "آخر أمراء الصحافة اللبنانيةبتعبير جهاد الخازن. صحافي حر، جريء ونزيه عاصر صراعات ومرارات وخيبات كثيرة، واختبرته الحياة بأقسى المحن. لكنه بقي صبورًا مترفعًا عن الأحقاد والضغائن، مؤمنًا بأن "النهار" يبدد حُلكة الليل، وأن الكلمة النابعة من العقل والوجدان هي السلاح الوحيد في وجه "فقهاء الظلام".

تقول تجارب الحياة إن أقسى اللحظات التي يعيشها المرء تلك التي يجبر فيها أب على دفن ابنه، على عكس نواميس الحياة التي تقول إن الابن يمضي، عادة، في جنازة الأب، بيد ان الصحافي المخضرم عاش هذه اللحظة المؤلمة ثلاث مرات، فهو فجع قبل عقود برحيل ابنته نايلة، وكان عليه أن يحضر جنازة ابنه مكرم، وعاش إلى تلك اللحظة التي شهد فيها رحيل ابنه البكر جبران، بحادثة اغتيال. ما سبق ليس اختزالًا لإحدى التراجيديات الإغريقية، بل مأساة عاشها تويني في وضح "النهار"... واستطاع أن يحارب بالقلم، لأكثر من نصف قرن، على رغم ثقل الألم.

قد تكون هذه المقدمة طويلة حتى نصل إلى القول ان الراحل لم يحظَ بما يستحقه على شاشة الفضائيات. لكنها ضرورية، كذلك، لإظهار مدى التقصير الذي تتخبط فيه تلك الفضائيات لدى حدوث فجائع مماثلة، خصوصًا أن من نتحدث عنه، لم يكن بطلًا تراجيديًا فحسب، بل كان شاهدًا على عصر مضطرب ومتحول مر بانعطافات كثيرة. وكان ضوء "النهار" حاضرًا في كل تلك المحطات العاصفة. على رغم ذلك، مرّ خبر الرحيل بعجالة في شريط إخباري خجول على بعض الفضائيات، واجتهدت فضائيات اخرى في تخصيص مساحات لم تتناسب، بأي حال، مع مكانة الفقيد، بل إن فضائيات أخرى تجاهلت الخبر الذي لا يدخل ضمن إطار اهتماماتها. وإزاء هذا التقصير الفضائي بدت الصحافة المكتوبة، وفق متابعتنا، وفية لأحد ابرز أقطابها خلال العقود الأخيرة، إذ خصصت مساحات واسعة للحديث عن الراحل.

هذه، بالطبع، ليست المرة الأولى التي تهمل فيها الفضائيات العربية خبر رحيل قامات فكرية وثقافية وأدبية وإعلامية، فهذه الفضائيات الناجحة في بث ثرثرة لا تنتهي، تعجز عن بذل جهود من أجل انجاز مادة إعلامية تليق باسم إعلامي باذخ الحضور... مع ان حكاية تويني مفعمة بالأبعاد الدرامية وبحالات إنسانية نادرة. ولئن أغفلت الفضائيات هذه القصص المعبّرة، فإن الأمل معقود على توثيق سيرة غسان تويني في أفلام تسجيلية، وهي سيرة تمثل، درسًا عميقًا في الصحافة، مثلما ترمز إلى قدرة الإنسان على التعايش مع الحزن، والاقتناع بأن ضوء "النهار" ينير الدروب المظلمة والعقول المنغلقة.

* نقلا عن صحيفة الحياة اللندنية