EN
  • تاريخ النشر: 27 نوفمبر, 2011

ليلى كرم نجمة كل الأدوار في الزمن الجميل

monawat article

monawat article

رثاء الفنانة الراحلة ليلى كرم والتي أمضت أكثر من نصف عمرها في العطاء الفني بين الإذاعة والتلفزيون والسينما والمسرح

(باسم الحكيم)  

 

ثلاثة أعوام مضت على رحيلها، وصرخة ليلى كرم الأخيرة التي طالبت بتأمين "آخرة الممثلماتزال تنتظر. كانت الممثلة الراحلة من أكثر المطالبين بإقرار قانون تنظيم المهن الفنيّة، وركزت على الشق المتعلق بحماية الممثل في مرضه وفي أيامه الأخيرة بالتحديد . عندما كانت تصرخ في العام ،2003 وتتنقل بين مستشفى وآخر معترضة، كانت ليلى كرم ماتزال في صحتها، وكانت تحاول تأمين العلاج للفنان الراحل ماجد أفيوني لأشهر طويلة، قبل أن يغدره المرض ويفارق الحياة . هي قضيّة أساسيّة، اهتمت بمتابعتها في السنوات الأخيرة، بعدما بات العمل في مجال التمثيل لكبار الممثلين، يعتبره بعض المنتجين "تنفيعةخصوصاً أنهم لجأوا وقتها إلى التعاون مع أشخاص عاديين حصراً للنفقات غالباً، فكانت مشاركتها في مسلسل "خطايا صغيرة" للمخرج إيلي معلوف، آخر أعمالها التلفزيونيّة.

هكذا، تتحوّل ليلى كرم إلى قافلة الذين طواهم النسيان برحيلهم . في العامين الماضيين، بالكاد تذكّرها قلّة من الأوفياء لذكراها، هي التي وهبت حياتها لخدمة التمثيل في زمن الفن الجميل، غير أن مجرد طرح اسمها على بعض الممثلين الشباب، يجعلهم يستعيدون أعمالهم برفقتها.

الممثلون الشباب الذين تمكنوا من العمل معها في أيامها الأخيرة تلفزيونياً ومسرحياً من نجوم الزمن الحالي هم قلّة، لأن نجمة كل الأدوار لم تجد من يطرق بابها في عز حاجتها إلى المال للعلاج، وإلى فن يخرجها من حالتها الصحيّة التي كانت تتراجع يوماً بعد يوم خصوصاً أنها كانت تعدّ التمثيل منذ بداياتها عشقها، وكان طبعاً ملاذها الأخير. يقول النجم باسم مغنية، إن "هذه الممثلة التي عملت معها في آخر أيامها، كانت نموذجاً يقتدى في الفن، فنانة موهوبة أعطت الكثير للتمثيل لأنها عشقته وليس للانتفاع مادياً".

ويرى النجم بيتر سمعان الذي كرّمها في حلقة تلفزيونيّة، أن الكلمات لا تعطيها حقها حتماً، لكنها فرصة ليؤكد أنها ماتزال في الذاكرة ولن تغيب، حتى بعد سنوات من رحيلها . ويشير سمعان إلى "أنني تعرفت إلى ليلى عن قرب . امرأة كانت تجذبني إطلالاتها، هي التي تمكنت من التمثيل بالفصحى مع أنها لا تجيد الكتابة والقراءةشارحاً دورها المزدوج في موقع التصوير والحياة . "كانت أماً للزملاء والزميلات، وانتهت حياتها نهاية مأساوية، وهو ما يجعلني أطالب مجدداً بالبحث عن آلية لتنفيذ قانون تنظيم المهن الفنية".

من بين ثمانين عاماً عاشتها ليلى كرم (1928- 2008)، يمكن القول بأمانة إنها أمضت أكثر من نصفها في العطاء الفني . عاشت "وردة" في "الدنيا هيكبين خشبة المسرح وأمام عدسات الكاميرات التلفزيونيّة والسينمائيّة، وكانت حصيلة عطاءاتها آلاف الساعات الدراميّة بين الإذاعة والتلفزيون والسينما والمسرح . وفي المرحلة الأخيرة من حياتها، أمضت أياماً طويلة من العذاب والمرض دون أي التفاتة من الجهات المعنية في بلدها، باستثناء شخصية سياسيّة واحدة، لم تنقطع عن شكرها في أحلك ظروفها، حيث استمرت السيدة بهيّة الحريري، بتقديم المساعدة لها طويلاً .

بداية ليلى كرم كانت مع الأغنية في إذاعة الشرق الأدنى في منتصف الخمسينيات، غير أن مشوارها مع الفن الغنائي، لم يستمر كثيراً، فسرعان ما وجدت نفسها في أحضان الدراما الإذاعيّة ومنها إلى تلفزيون لبنان وخشبة المسرح والأفلام السينمائيّة، حيث قدمت مجموعة كبيرة منها بين لبنان ومصر وسوريا من بينها "بنت الحارس" (1967) و"سفر برلك" مع الأخوين رحباني و"حبي الذي لا يموت" (1975) مع ملحم بركات .

ليلى كرم هي فنانة من الرعيل الأوّل، من أيّام الزمن الجميل . إنّها "وردة" في الكوميديا اللبنانيّة الأشهر "الدنيا هيك" للكاتب محمد شامل، و"ظريفة" في مسلسل "المعلّمة والأستاذ" مع الراحلين إبراهيم مرعشلي وهند أبي اللمع، وهي صاحبة عشرات الشخصيّات البارزة في مسلسلات تلفزيون لبنان، التي ماتزال في البال .

في عزلة منزلها في برج حمّود، كانت خلال السنوات الأخيرة، تحتجّ وتعترض وتسأل عن "حقوقنا نحن الفنّانين" . كلّما تذكّرت صديقها المقرّب ماجد أفيوني أو بلبل (في مسلسل "الدنيا هيك")، كانت عيناها تدمعان: "كان يتصل بي لنلتقي في أحد مقاهي الحمراثم تلوم نفسها: "اتصل بي، قبل ساعات من رحيله، وأبلغني أنّه يقوم بغسل الكلى . قائلاً: أنا في مستشفى "الحياةتعي شوفيني بدي موت . لكن راح ماجد وما شفتو" . بدورها، رحلت ليلى كرم في مستشفى "أوتيل ديو" وحيدة في ظلّ إهمال الدولة، فانضمّت إلى قافلة الراحلين من الرعيل الأوّل للدراما اللبنانيّة . . . وأغلقت نصف قرن من ذاكرة الفن الجميل في لبنان .

لم تخجل كرم يوماً من تاريخها وأصولها . كانت تردّد: "أنا أُمِّيّة . . . لكنّني أتحدى أساطين اللغة العربيّة" . دخلت عالم التمثيل، وهي لا تعرف القراءة والكتابة، وكانت نصوص التلفزيون مدرستها: "عندما بدأت المسلسلات بالفصحى، بقيت في البيت، ورجوت المخرج جان فيّاض أن يعطيني ولو كلمتين . . و"كانت الجملة الأولى التي قلتها: نعم سيدي، أمرك سيدي . يومها بكى فيّاض، وقال لي لا تعودي إلى التلفزيون، فقلت له: بل ستجدني هنا يوميّاً" . وهكذا كان حتى بتّ أتحدى وأجادل من يناقشني في اللغة العربيّة" . وكما برعت في الدراما اللبنانيّة باللغة الفصحى، تميّزت في الدراما الاجتماعيّة، فمَن لا يتذكرها مع هند أبي اللمع في مسلسلاتها الشهيرة: "ألو حياتي" و"حول غرفتي" و"السراب" و"غروب" و"الأسيرة" (1980) .

 

 

 

ليلى كرم استطاعت أن تبرز كممثلة صاحبة إمكانات تمثيلية وموهبة فطريّة، لم تدعم بالدراسة، حالها كحال أغلبية فناني جيلها، وأطلت في عدد كبير من العروض المسرحية، كممثلة مساندة، تفوقت على معظم نجمات جيلها . فهل من أحد لا يتذكر دورها في مسرحية "ميس الريم" للأخوين رحباني؟

اختارت طريقها الفنّي على قاعدة "اشتغل مع الكبير بتكبر، واشتغل مع الزغير بتزغر . . . الرحابنة فنانون كبار، كان عاصي يقول لي: "بدي روحك في النص، بعدها بسنوات مثلت معهما خلال الحرب في مسرحيّة "المؤامرة مستمرّة" (1980)" ومن ينساها في مسرحية "الرفيق سجعانوفي مسرحية "أبو علي الأسمراني" . في المسرح أيضاً تعاملت ليلى كرم مع الراحل يعقوب الشدراوي في مسرحيّة "الأمير الأحمر" (1973) التي شارك فيها أنطوان كرباج وإلياس رزق، وكذلك في مسرحيّة جلال خوري "قبضاي" مع نبيه أبو الحسن، ثم مسرحيّتي "كاوبوي مرّ من هنا" (1990) و"بوب والأربعين حرامي" (1995) مع الممثل الراحل إبراهيم مرعشلي.

أما على الشاشة الكبيرة، فقد شاركت الفنانة الراحلة في أفلام عدّة من بينها: "نغم في حياتي" (1975) إلى "حبي الذي لا يموت" (1983) مع ملحم بركات وهلا عون، و"سامحني حبيبيمروراً ب"همسة الشيطانوصولاً إلى باكورة زياد الدويري "غرب بيروتوقبلها جميعاً لا بدّ من أن نتذكر الفيلم الرحباني الجميل "بنت الحارس" (1967) مع السيّدة فيروز. لعلّ ليلى كرم كانت بين قلّة من ممثلي الزمن الجميل الذين استمر عطاؤهم وعاصرت جيل الشباب . وهي عرفت كيف تخطف الأضواء في الكوميديا والدراما على حد سواء، كما قدمت على مستوى مسرح الطفل مسرحيتين هما "غابة الفرح" (1992) و"رحلة العجائب" (1997) والعملين من تأليف وإخراج طوني غطاس.

رحلت ليلى كرم معدمة كما الكثير من أبناء مهنتها الذين مازالوا محرومين من أبسط ضمانات الشيخوخة، وظلت مغبونة حتى بعد رحيلها . واليوم تتحول إلى باقة من الصور العتيقة، تذكر بمحطات فنية وإبداعية من زمن الدراما الجميل.

* نقلا عن صحيفة الخليج