EN
  • تاريخ النشر: 20 أبريل, 2012

لجنة التحكيم والتوازن الجغرافي

طارق الشناوي

طارق الشناوي

تعدد الجنسيات المشاركة في لجان التحكيم بالمهرجانات قد يراه البعض يحمل وجها إيجابيا، وهو كذلك بالفعل، ولكن لا يعنى تعدد الجنسيات أن نصل بالضرورة إلى نتيجة عادلة

  • تاريخ النشر: 20 أبريل, 2012

لجنة التحكيم والتوازن الجغرافي

يحرص مهرجان «الجزيرة الوثائقي» الذي افتتح دورته الثامنة مساء أمس على أن لا يكرر جنسيات الأعضاء في لجان التحكيم، والسبب بالطبع معروف.. وفي أغلب المهرجانات تقريبا يطبق أيضا هذا المبدأ الصارم الذي يختار الأعضاء وهو يضع أمامه الخريطة الجغرافية للعالم حتى لا يبدو أن هناك شبهة انحياز إلى بلد سواء كان الذي يقام على أرضه المهرجان أو بلدا آخر حظي بنصيب وافر من أعضاء اللجان.

والحقيقة أن هناك اتهاما مسبقا يطول كل من يشارك في التحكيم بأنه ينحاز إلى بلده على حساب العدالة، بينما كثيرا ما نرى أيضا العكس حيث إن فناني هذا البلد يتهمونه بأنه من أجل أن يؤكد عدالته في التقييم فإنه يظلم بلده.

أحيانا يصبح الأمر مجالا خصبا للشائعات التي يتم تداولها في كواليس المهرجانات.. أتذكر أنه في إحدى دورات مهرجان دمشق السينمائي نُسب إلى رئيس اللجنة دريد لحام أنه قال «على جثتي.. لن تحصل مصر على جائزة»، والحقيقة أن هذا التعبير لم يصدر عن الرجل. صحيح أنا حاليا أختلف تماما مع كل المواقف السياسية التي يؤازر بها دريد الطاغية بشار الأسد مبتعدا عن آمال الشعب السوري في الحرية، ولكن كل ما حدث وقتها أن دريد لم يتحمس للفيلم المصري الذي كان مشاركا في المسابقة وأراد صناع الفيلم بعد خروجه خاوي الوفاض من المهرجان أن يلتمسوا الأعذار لأنفسهم وللجمهور مؤكدين أنها الخديعة التي قادها دريد.

في عالمنا العربي ينتظر دائما جمهور البلد المضيف أن يحصل الفيلم الذي يمثله على جائزة، وتمارَس أحيانا ضغوط من إدارة المهرجان سواء أكانت تابعة أو غير تابعة للدولة للوصول إلى هذه النتيجة التي تخاصم المنطق، وفي المقابل تصالح مشاعر الناس التي لا تعترف بأن هناك مهرجانا إلا إذا منحها جائزة.

فرنسا مثلا نادرا ما تحصل على جوائز في مهرجان «كان» السينمائي، بل إن السينما الفرنسية كثيرا ما تتعرض للسخرية داخل المهرجان وتُتهم بالملل والبعد عن الإحساس الجماهيري.

الثقافة التي تُعلِى من شأن العمل الفني متجاوزة الجنسية نادرا ما أراها، خصوصا في عالمنا العربي، ولكن هناك بالطبع استثناءات، الفيلم الجزائري «نورمال» على سبيل المثال الذي حصل على جائزة مهرجان «الدوحة ترايبكا» في نهاية العام الماضي، عندما شارك في مهرجان وهران بعدها بنحو شهرين لم يحصل على جائزة، بل إن أعضاء لحنة التحكيم الجزائريين في وهران كانوا الأعلى صوتا وراء استبعاده، وبعد ذلك تم تطبيق قواعد الجغرافيا وحصلت كل دولة عربية على جائزة ما عدا الجزائر.

«نورمال» بالمناسبة كان الأفضل فنيا، ولكن من الواضح أن مخرج الفيلم مرزاق علواش متهَم عند البعض بأنه يتاجر بمعاناة شعبه، وكثيرا ما يشهرون في وجهه سلاح «نشر الغسيل القذر»، وعندما يعرض أفلامه حتى خارج حدود الجزائر يقابَل بدرجة عالية من الاستبعاد الذي يستند إلى نفس المعيار وهو أنه يسيء إلى سمعة البلد.

تعدد الجنسيات المشاركة في لجنة التحكيم قد يراه البعض يحمل وجها إيجابيا، وهو كذلك بالفعل، ولكن لا يعنى تعدد الجنسيات أن نصل بالضرورة إلى نتيجة عادلة. ومن واقع خبرتي في هذا المجال تستطيع وأنت تحلل نتيجة لجنة التحكيم أن ترى بنسبة ما سيطرة عضو في اللجنة على التوجه، ليس بالضرورة هو رئيس اللجنة، ولكنه الأكثر قدرة على الإقناع.

من أسوأ ما يحدث في لجان التحكيم ما يمكن أن نطلق عليه «التوازن الجغرافي»، حيث يمتد أيضا إلى النتائج وتستشعر أن اللجنة حريصة على إرضاء كل الجنسيات.. وكثيرا ما كان يحدث خصوصا في المهرجانات ذات البعد العربي مثل مهرجان القاهرة للإذاعة والتليفزيون في مصر. أتذكر أن أحد أعضاء اللجان -كان موظفا كبيرا في التليفزيون اليمنى- كان يهدد بالانسحاب من اللجنة لو لم يحصل الفيلم اليمنى على جائزة لأن هذا يعنى إقصاءه عن موقعه الوظيفي في اليمن.

أن ينحاز الفنان والإنسان عموما إلى بلده أراها ظاهرة صحية، ولكن عند التقييم الفني من المفروض أن يصبح الأمر متعلقًا فقط بمواطن الإبداع، فلا شيء من الممكن أن يقف أمام الإحساس بالجمال.

كان الموسيقار محمد عبد الوهاب يردد دائما «لا شيء يقف أمام الأجمل».. يا ليت أعضاء لجان التحكيم يؤمنون بمقولة عبد الوهاب.

(*) نقلاً عن صحيفة التحرير القاهرية