EN
  • تاريخ النشر: 06 أكتوبر, 2012

التوريث سقط سياسياً وانطلق سينمائيا قطار الوطن يحترق في "ساعة ونص"

فيلم ساعة ونص

فيلم ساعة ونص

الناقد طارق الشناوى يرصد أداء أبطال فيلم ساعة ونص ويشير إلى أن الفيلم وضع مصر كلها في قطار يتوجه إلى مصير قاتل الكل في القطار ما بين قتيل وجريح ومن ينجو من الدمار الجسدي يعاني من التدمير النفسي .

  • تاريخ النشر: 06 أكتوبر, 2012

التوريث سقط سياسياً وانطلق سينمائيا قطار الوطن يحترق في "ساعة ونص"

يبدأ الفيلم بتلك اللقطات جهاز صناعة الطعمية "الفلافل" المكون من يد حديدية تتحرك كهربائياً تتولى فرم الفول مع الخضروات حيث نرى هذا العجين بعد قليل وقد تحول إلى أقراص صغيرة تُلقى  في الزيت المغلي الذي يشي الإناء القديم ولون الزيت المائل للسواد إلى حالة الفقر المُدقع التي عليها الزبائن ورغم ذلك فإن اللقطة الأخيرة هي لسيدة عجوز يشع وجهها بالرضا وهي تلتهم بكل سعادة ونهم ساندوتش الطعمية!! الذائقة المصرية التي تتعايش وتتكيف مع الواقع هي أطلقت على الفلافل اسم طعمية من الطعم الجميل وهكذا يعيش المصريون بالقليل وهم راضون.

السيناريو الذي كتبه "أحمد عبد الله" يضع مصر كلها في قطار يتوجه إلى مصير قاتل الكل في القطار ما بين قتيل وجريح ومن ينجو من الدمار الجسدي شاهدناه قبلها بلحظات وهو مدمر نفسياً يعيش ما تبقى له في الحياة وهو خارج الحياة.. هؤلاء هم أبطالنا داخل القطار أما خارج القطار فإن الجميع محبطون كل لديه أمل مجهض وكل يعاني من هزيمة قدرية لا يمكن الهروب منها إلا بالهروب إليها.

الفيلم أحداثه لا تتجاوز ساعة ونص الزمن السينمائي هو الزمن الواقعي مقاعد القطار تجد فيها  كل أطياف المجتمع.. الشاب خريج الجامعة "إياد نصار" الذي لم يعمل بشهادته الجامعية وأصبح يبيع الكتب الصغيرة العاطفية مثل "رسائل حب" حيث أن زبائن القطار يفضلون هذا النوع من الكتابات  ونشاهد الصول في الشرطة "ماجد الكدواني" الذي يلقي القبض على الشاب "أحمد الفيشاوي" العائد من السويد المتهم بارتكاب فعل فاضح في الطريق العام لأنه قبل فتاة أجنبية جاءت معه.. نكتشف أن الصول يعيش أزمة شقيقته التي لم تتزوج إلى الآن وهو يبحث لها عن عريس.. يعيش المأساة وهو يحمل صورتها يتمنى أن يلتقي بعريس حتى لو كان أحد المتهمين الذين يُلقي القبض عليهم وهكذا يفك الكلبشات عن معصم "أحمد الفيشاوي" أملاً في أن يستميله ليصبح زوجاً لشقيقته العانس الذي ندرك كم هي تخاصم الجمال بدون أن نرى وجهها من خلال تعبير الفيشاوي الصغير وهو يري صورتها.. "أحمد السعدني" الذي يبيع الشاي للفقراء في القطار والشاب "كريم محمود عبد العزيز" العائد من ليبيا بعد أن فقد كل شيء ومعه صديقه "محمد رمضان" ويموت بسبب أزمة في الكُلي ونكتشف لحظة موته أنه مسيحي.. لم يضع المخرج "وائل إحسان" خطاً تحت خانة الديانة قدمها ببساطة ونعومة.

العلاقة بين الطبيبة "يسرا اللوزي" وزوجها الصعيدي الذي لم ينل أي قسط من التعليم "فتحي عبد الوهاب" يجسد حالة التباين بين من يملك المعرفة والثقافة ولكنه لا يملك مصيره فالزوج الجاهل هو الذي يحدد لزوجته ما الذي تفعله هي تريد أن تسافر في بعثة ستة أشهر و ترجوه أن يوافق ولكنه يمارس عليها سطوة الزوج.. نكتشف أنه بداخله يتباهى بأن زوجته طبيبة بل وينتظر أن يحصل هو مقابل الشكر والعرفان من جمهور القطار عندما تصاب "سوسن بدر" وهي واحدة من زبائن القطار بأزمة بعد مشادة مع ابنتها فتنقذها "يسرا اللوزي" بحقنة.

العلاقة بين "سوسن" وابنتها "آيتن عامر" تجسد طبيعة الصراع  الذي يحدث بين ابنة شابة وأمها على معاش والدها المتوفى وكالعادة فإن أولاد البلد في صراعهم يميلون إلى الحالة الاستعراضية المسرحية حيث يحيلون الناس إلى جمهور يحدد موقفه من المتصارعين كل من الأم والابنة لا تترك نقيصة إلا وتلحقها بالأخرى ولكن في اللحظة المصيرية ينتهي كل شيء عندما تُشرف "سوسن" على الموت على الفور يتبدد الصراع ونرى حقيقة دفء المشاعر بين الأم وابنتها.. المطرب والملحن المحبط الذي أدي دوره "محمد عبد المنعم" ومعه الشاعر "محمود البزاوي" ينتظران القطار في المحطة لكي يشاركان في فرح ويغادران محطة القطار مهزومان لأن الفرح يتم إلغائه في اللحظات الأخيرة.

"محمد إمام" زعيم عصابة سرقة قضبان القطار ومعه صاحب العربة الكارو "فاروق فلوكس" لديه نهم نسائي ولهذا نرى علاقته مع "سمية الخشاب" التي تخون زوجها المسئول عن متابعة القضبان بجوار المحطة أدي دوره "أحمد بدير" متزوج على زوجته المريضة من امرأة تصغره بسنوات ولا يستطيع أن يشبع نهمها الجسدي وهي على المقابل تقيم علاقة مع "محمد إمام" وتنتهي بمأساة عندما يضبطهما معاً وفي المطاردة يقتل محمد إمام "أحمد بدير" وفي محاولة لإنقاذ القطار من المصير الحتمي يفقد "إمام" حياته تحت القضبان.

"كريمة مختار" التي تعيش جحود ابنها الذي تركها في القطار وكأنه يتخلص من النفايات كان كاتب السيناريو "أحمد عبد الله" قد استوحي واقعة حقيقة سبق وأن شاهدتها في فيلم قصير عندما يترك ابن أمه ومعها ورقة مكتوباً عليها من يعثر عليها يسلمها لأقرب بيت للمسنين ولا تصدق الأم أن ابنها يحمل في قلبه كل هذا الجحود تعتقد أنه يقصد أن تذهب إلى بيت المسنين للحصول على دواء السكر الذي تعاني منه لأنها لا تملك ثمن شرائه.

كل شرائح الوطن في القطار ولا ينسى الفيلم أن يتعاطف حتى مع الأشرار الذين يستيقظ ضميرهم في محاولة أخيرة.الموت يترقب الجميع والهزيمة هي التي تحمل قطار الوطن للدمار ولا يبدو في الأفق أي بارقة أمل.

في الفيلم برعت ملامح وتفاصيل لمدير التصوير "سامح سليم" وموسيقى "ياسر عبد الرحمن" وقاد المخرج "وائل إحسان" بحالة من الوهج الفني كل تلك الخيوط ملماً بالتفاصيل ومنح لفيلمه إيقاع ونبض ومذاق لو أن مشاهد الجرافيك كانت هي نقطة الضعف الرئيسية في الفيلم.. الكاتب "أحمد عبد الله" قدم من قبل فيلمي "كباريه" و "الفرح" مع  المخرج "سامح عبد العزيز" وهذه هي تجربته الثالثة في تجميع الفنانين داخل مكان محدد وفي مدة زمنية محددة ومن خلال هذا المكان وما يدور داخله وأيضاً خارجه نشاهد مصر من خلال البسطاء الذين يشكلون علي أقل تقدير 90% من المصريين،لأحكام الأخلاقية تسيطر في جزء منها على الكاتب فهو حريص على أن يلقى من يرتكب خطأ أخلاقي عقاب.

في الفيلم برع عدد من الممثلين ووقف علي القمة "ماجد الكدواني" إنه أستاذ التمثيل في المسافات القصيرة حيث يقتنص اللمحة في لحظة ويحيل الدور الصغير إلى بطولة مطلقة.. أيضاً "سوسن بدر" التي نراها في حالة ألق إبداعي لا يمكن إغفاله أبهرتني سوسن بتلقائيتها وتفهمها للشخصية.. "يسرا اللوزي" في دور الطبيبة  أراها  هذه المرة وقد نضجت كثيرا في تلك المشاهد ويبقى في الجعبة "فتحي عبد الوهاب" بتلك النظرة التي لا تنسى عندما وجد أن الناس سعيدة بأن زوجته "يسرا" أنقذت سوسن بدر من الموت فقالت عيناه الكثير وكأنه يصرخ إنها زوجتي وأنا الذي منحتها الإذن بالإنقاذ.. و " شاهدت أحمد فلوكس" و "امام" و "الفيشاروي الصغير" بتلك التلقائية و "بدير" و "ناهد السباعي" حفيدة "فريد شوقي" و "هدى سلطان" وبرغم حالة السمنة الزائدة التي باتت عليها "سمية الخشاب" في الفيلم إلا أنها أدت الدور الصغير بتفهم حيث إنها الزوجة التي تحتاج للإشباع وزوج عاجز وتبحث عن مبرر الحب لتخدع نفسها وتبرر الخيانة رغم أنها لا تنتظر سوى الجنس كان رهان فني كسبته هذه المرة "سُمية" لأنها منحت نفسها تماما للدور.

إنها حالة من تأكيد التوريث الفني في جانب منها فأغلب الأبطال أبناء أو أحفاد نجوم كبار  ولا أعتبرها صدفة ولكن من الواضح أن منتج الفيلم "أحمد السبكي" والمخرج "وائل إحسان" تعمدا ذلك .. ولكن يظل السؤال وهو إذا كان سياسياً قد أفلت قطار الوطن من مصير توريث الحكم إلى ابن الرئيس فأين يتجه الآن مصير الوطن؟!

المقال يعبر عن رأي كاتبه