EN
  • تاريخ النشر: 26 مارس, 2012

في ذكرى "عبد الحليم حافظ" رقم 35 الرقص على إيقاع زمن الفيديو كليب!.

طارق الشناوي

طارق الشناوي

"عبد الحليم" أطلق بأغنيته "يا سيدي أمرك.. أمرك يا سيدي" التي غناها في فيلم "ليالي الحب" 1955 أول احتجاج ساخر على الأغنية التي كانت سائدة قبل الخمسينيات

  • تاريخ النشر: 26 مارس, 2012

في ذكرى "عبد الحليم حافظ" رقم 35 الرقص على إيقاع زمن الفيديو كليب!.

(طارق الشناوي) قبل عشر سنوات سألت الموسيقار الكبير الراحل "كمال الطويل" ماذا لو امتدت الحياة بعبد الحليم حافظ وتجاوز السبعين من عمره ما الذي كان من الممكن أن يقدمه للناس في عصر "الفيديو كليب"؟!

أجاب "كمال الطويل": سيقدم "الفيديو كليب" بأسلوب "عبد الحليم"!

"عبد الحليم" الذي نحتفل هذه الأيام بذكرى رحيله "35" لو كان بيننا الآن لتجاوز الثمانين بثلاثة أعوام.. تأملت كلمات "كمال الطويل" ووجدت أن سر "عبد الحليم" أنه كان ابناً للزمن الذي يعيشه بل سابقاً أيضاً للزمن يراهن على الكلمة واللحن القادم.. كنا نعيش مع مطلع الخمسينيات في مصر ثورة سياسية وتحرر وطني وجاء "عبد الحليم" ومعه "كمال الطويل" و "محمد الموجي" و "صلاح جاهينوانضم إليهم من الجيل السابق عليهم الشعراء "مأمون الشناوي" و "مرسي جميل عزيز" و "حسين السيد" فأحالوها إلى ثورة عاطفية أيضاً!.

أطلق "عبد الحليم" بأغنيته "يا سيدي أمرك.. أمرك يا سيدي" التي غناها في فيلم "ليالي الحب" 1955 أول احتجاج ساخر على الأغنية التي كانت سائدة قبل الخمسينيات فهو مثلاً يقول: "بحقك أنت المنى والطلب" ثم يكمل: "والله يجازي اللي كان السبب".. الكلمات كتبها "فتحي قورة" ولحنها "محمود الشريف" و "بحقك أنت المنى والطلب" قصيدة شهيرة من تلحين الشيخ "أبو العلا محمد" غناها في الزمن القديم كل المطربين والمطربات وعلى رأسهم "أم كلثوم" تلميذة الشيخ "أبو العلا"!.

ويتابع السخرية بموشح أكثر شهرة وهو "بالذي أسكر من عرف اللما" ويضيف "كان في حاله جاتله داهية من السما" والمقصود بـ "عرف اللما" الريح التي تخرج من الفم.. وفي النهاية يقول "خايف أقول على قد الشوق لتطلع روحي".. يقصد أغنية "على قد الشوق اللي في عيوني يا جميل سلم" التي حققت في مطلع الخمسينيات شهرة غير مسبوقة!.

وهكذا كان المجتمع في الماضي يسمح بثورة ضد الجمود و "عبد الحليم" هو ابن شرعي لزمن التمرد.. في عام 1953 عند إعلان الجمهورية المصرية رسمياً قال "يوسف وهبي" في حفل لأضواء المدينة "اليوم تعلن الجمهورية ويعلن أيضاً مولد مطرب جديد".. لهذا ارتبط اسم "عبد الحليم" بالثورة المصرية وغنى لها "ثورتنا المصرية عدالة.. اشتراكية" تلحين "رءوف ذهني" و "إني ملكت في يدي زمامي" تلحين كمال الطويل.. والقصيدتان من تأليف "مأمون الشناوي".. بعد تولي "جمال عبد الناصر" رئاسة الجمهورية غنى له من كلمات "صلاح جاهين" وتلحين "كمال الطويل" احنا الشعب اخترناك من قلب الشعب.. يا فاتح باب الحرية يا ريس يا كبير القلب.. وغنى له من كلمات "إسماعيل الحبروك" وتلحين "الطويل" يا جمال يا حبيب الملايين.. واستمرت رحلة "عبد الحليم" الوطنية مع الثورة وفي نفس الوقت كان "عبد الحليم حافظ" زعيم الأغنية العاطفية في مصر والعالم العربي!.

ظل "عبد الحليم" يمتلك ترمومتراً يدرك من خلاله الخطوة التالية فهو يقدم الأغنية المتطورة وفي نفس الوقت ينبغي أن تحقق رواجاً جماهيرياً لهذا التقط في عام 1957 الموسيقار الشاب "بليغ حمدي" وضمه إلى رفيقي الكفاح "الطويل" و "الموجي" مع الأستاذ "محمد عبد الوهاب" وظل للملحن صاحب الألحان خفيفة الظل "منير مراد" مكانة مميزة على خريطته!.

لا شك أن "عبد الحليم" في إصراره على البقاء متربعاً على عرش الأغنية كان بين الحين والآخر يتعرض لمحاولات لإقصائه أو استبداله أو على أقل تقدير مشاركته العرش.. بدأت المحاولات مع "كمال حسني" هذا المطرب الذي وقفت وراءه المنتجة "ماري كويني" بعد أن رفض "عبد الحليم" أن يلعب بطولة فيلم لحساب شركتها لأنه لم ينس لها أنها في مطلع حياته الفنية رفضت أن يصور أغنية في فيلم "فجر" وقالت إن وجهه ليس "فوتوجينيك" واكتفت فقط بالتسجيل الصوتي.. لهذا أنتجت لكمال حسني فيلم "ربيع الحب" بعد عام واحد من تقديم "لحن الوفاء" لعبد الحليم وأكثر من ذلك لنفس مخرج "لحن الوفاء" إبراهيم عمارة ونفس البطلة "شادية" وصديق البطل "عبد السلام النابلسي"!.

وعندما اختلف مع "محمد الموجي" أطلق الأخير أصوات "محرم فؤاد" و "عبد اللطيف التلباني" و "ماهر العطار" وصولاً إلى "هاني شاكر" وبالفعل انزعج "عبد الحليم" من صعود "هاني" في مطلع السبعينيات وخاصة بعد نجاح أغنية "كده برضه يا قمر" التي لحنها له "خالد الأمير" بتوصية من "أم كلثوم"!.

وكان الرد العملي أن "عبد الحليم" أخذ بنصيحة كاتب كبير قال له "العيل يحاربه عيل".. وقدم "عبد الحليم حافظ" للساحة الفنية "عماد عبد الحليم" ليواجه به "هاني شاكر".. ربما كانت أكثر اللحظات التي عاش فيها "عبد الحليم حافظ" القلق الفني تلك التي شهدت تألق "محمد رشدي" وشعبيته الجارفة بعد أغنيات "وهيبة" للأبنودي و "عبد العظيم عبد الحق" ثم "عدوية" للأبنودي و "بليغ حمدي"!.

كان "عبد الحليم" يغني كلمات مغرقة في الشاعرية والتجديد كتبها الأخوان "رحباني" ولحنها "محمد عبد الوهاب" وهي "يا شارع الضباب مشيتك أنا مرة بالعذاب ومرة بالهنا".. و"محمد رشدي" يقول "عدوية" و "في إيديا المزامير وفي قلبي المسامير" وأعجب الجمهور في هذه المرحلة بالمزامير والمسامير فهي على الأقل أشياء ملموسة لا تتحرك في الظلام مثل "شارع الضباب".. إنه مجتمع اشتراكي يمنح العمال والفلاحين 50% من مقاعد مجلس الشعب مجلس الأمة وقتها وغير "عبد الحليم" البوصلة الغنائية العاطفية إلى الشعبية وقدم "سواح" لمحمد حمزة و "بليغ حمدي"!.

رحل "عبد الحليم" قبل أن يكمل 48 عاماً وعدد كبير من مطربينا وصلوا إلى نفس الرقم بل تجاوزوه ولا نزال نطلق عليهم شباباً.. أنهى "عبد الحليم" مشروعه الغنائي قبل الثامنة والأربعين وهم لا يزالون يبحثون عن مشروع.. لقد عرف "عبد الحليم" أن السينما هي رصيده في الزمن القادم لهذا فإن أكثر من 70% من أغنياته هي أغنيات سينمائية.. لهذا فلو أدرك "عبد الحليم" عصر "الفيديو كليب" لأحاله إلى قوة دفع جديدة تمد في عمره الفني سنوات حتى وهو فوق الثمانين!.

فنان بحجم وفكر "عبد الحليم" لا يمكن أن يتحول إلى "ندابة" تهاجم جيلاً وعصراً ونبضاً وإيقاعاً ونغماً جديداً لكن من المؤكد أن "عبد الحليم" كان قادراً لو امتد به الأجل على أن يغني على إيقاع هذا الزمن بأسلوب "حليمي" المذاق!.

إنه الدرس الذي أتمنى أن يستوعبه كل فناني الأجيال الماضية فمن السهل أن تخاصم  وتلعن هذا الزمن الأصعب وأيضاً الأجمل أن تتعايش مع الزمن وترقص إبداعياً على إيقاعه!.