EN
  • تاريخ النشر: 31 أكتوبر, 2011

غسان سلهب... تمارين على الموت

fan article

fan article

المخرج اللبناني غسان سلهب له مسار سينمائي متميز في الأعمال التي قدمها عن بيئته اللبنانية في بيروت

غسان سلهب يخاطب الموت في «الجبل» انطلاقاً من ذاته وتساؤلاته. بعيداً عن بيروت، قرر السينمائي اللبناني (1958) اللعب مع الطبيعة والموت، فقدّم لنا حواريّة (بالأبيض والأسود) بين الإنسان والموت، يقتصر فيها الحوار على مونولوغات داخليّة، وتداعيات، ونصوص. لطالما كانت بيروت أحد العناصر الأساسية في بحث المخرج اللبناني المغاير، منذ «أشباح بيروت» (١٩٩٨)، مروراً بـ«الأرض المجهولة» (٢٠٠٢) و«أطلال» (٢٠٠٦) وصولاً إلى «1958». لكن فجأة، قرّر سلهب ترك بيته في شارع الحمرا والتوجه الى «الجبل» لتصوير فيلم جديد.

منذ عام ٢٠٠٦، وبعد العدوان الإسرائيلي على لبنان، تغيّرت علاقة سلهب بالرواية في سياق هذا الواقع الذي يبتلعه، وتغيّرت علاقته السينمائية بمدينة بيروت التي استنفدته وبات يحتاج إلى الابتعاد عنها قليلاً كي يراها. بل يظهر جليّاً أن المخرج الشاب كان يحتاج إلى قطيعة مع العالم الخارجي، وكان أن تمخّضت تلك القطيعة عن فيلم روائي بعنوان «الجبل» (85 دلعلّه تجربة على حدة في مساره السينمائي.

هذه المغامرة خاضها، على أساس انتاج فقير، مع فريق عمل صغير تربطه به علاقة ثقة متبادلة: المنتج جورج شقير أبوط برودكشنز»)، والفريق التقني (سرمد لويس/ إضاءة و تصوير، رنا عيد وكارين باشا/ صوت، ميشال تايان/ توليف، عبلة خوري/ إدارة إنتاجوالممثل فادي أبي سمرا بطله الأوحد هنا. قبل هؤلاء أن يتبعوا سلهب في مغامرة غير مضمونة. لم يقدِّم سلهب سوى الإطار العام وتصورٍ أوّلي لبداية الفيلم. رجل أربعيني (فادي أبي سمرا) يقلّه صديقه إلى المطار ليمضي في رحلة تستغرق شهراً. لكن بدلاً من أن يستقلّ الطائرة، يستأجر سيّارة ويتوجّه إلى منطقة جبليّة بعيدة. تلك هي الفكرة التي انطلق منها لبناء فيلمه: الهروب من المدينة، من العالم، والدخول في مواجهة قاسية مع الذات في عزلة الطبيعة. هذا التوجّه اختاره المخرج لتفادي البناء السينمائي المسبق. فضّل بناء الفيلم خلال التصوير، بغية الحفاظ على عفويّة في التقاط تلك المواجهة الصمّاء بين المبدع المعزول وأشباحه الداخليّة.

يعود مشروع «الجبل» الى ما قبل ٢٠٠٦. لكنّ صاحب ثلاثيّة بيروت، حمله في داخله إلى أن أتت اللحظة المناسبة عام ٢٠٠٩. تردّد خوفاً من خوض تلك «المواجهة المستحيلة مع الموت» كما يقول. منذ بداية الشريط، تشعر بطيف الموت يحوم في الجوار. في غرفة في فندق، اعتصم صنو سلهب (فادي أبي سمرا) بين جدران لا تفصله عن محيطه، لكنّها تحميه من المدينة. هناك، استسلم لنداء الطبيعة القائل «إنك مني ولست مشاهداً لي». إنه الإحساس الأزليّ بأن الموت حاضر وقادم بلا محالة، فكيف نلعب معه؟ كيف نواجه الإحساس بأنّنا أموات، ونحن ما زلنا على قيد الحياة؟ هنا في «الجبل»، تلعب الطبيعة معك من كوز الصنوبر تحت السرير، والهواء المتسرّب بين الجدران، وصولاً إلى فعل العنف الذي يخلقه الزجاج المكسور. مجازات سينمائيّة لا حصر لها، ومؤثرات تخلق حالة الخوف من الزائر الغريب.

 

لطالما اهتم سلهب بتصوير الأشباح في أفلامه. لكن في «الجبل»، هناك إنسان يلتصق جسده بالأرض، وفي وجهه وعيناه ما هو أبعد من الرؤيا الرمزيّة أو التعبيرية. هكذا يرى سلهب ممثله فادي أبي سمرا مجسداً مرآةً عاكسة لهذه الرحلة التي لا رجوع منها ربّما. لا هويّة للشخصية في الفيلم، ولا ماضٍ ولا مستقبل. إنّها تعيش لحظتها، ونحن معها نبقى عند حدود تلك اللحظة. أهو التوق إلى تجسيد محاولة التقاط الحالة الإنسانية المعقدة التي يستحيل حصرها في عمل فنّي في النهاية. لا جدوى من محاولة الإحاطة بالشخصية، ولا ضرورة للبحث عن منطق السرد الروائي. ماهية الفيلم في مكان آخر، في ما يقترحه علينا ويشرّعه أمامنا من آفاق. «خلق مسار لا يمكن ختمه» هو ما يثير سلهب في أفلامه... فكيف لو كان المسار يلاعب الموت؟ في خيارات مماثلة، تمنعك حتميّة خفيّة من تجاوز المسار المرسوم وإيقاظ المسخ الكامن في الإنسان، الشاهد ببرودة على الموت، موت الآخر... مرآة موته.

في الطريق إلى عزلته الجبليّة، يمرّ البطل بجانب الموت. ننتظر أن يتدخّل لإنقاذ الرجل داخل السيارة بعد حادث اصطدام خطير. لكن المتوجه نحو ملاعبة الموت، لا تحركه مشاعر انسانيّة كالشفقة، وضرورة اسعاف القريب. بل يضرم النار في السيارة ويمضي. وبعد انزلاقه الصامت في لعبة الكتابة والتداعي، وطقوسيّة العزلة والغرابة والخطر الداهم، في قلب الطبيعة، يصبح الموت أقرب... لكن بدلاً من أن تموت الشخصية يموت المؤلف. ميتة لا تراجيدية ولا درامية، ميتة غرائبية، سرياليّة. هناك، بعيداً عن بيروت وصخبها، انتحر الؤلف ومرّ به الممثل مرور الشاهد على موت الجثة، لكن أي جثة؟

خلال حديثنا معه، يستعيد سلهب قول لوي بونويل: «سوف أبقى دائماً إلى جانب الذين يبحثون عن الحقيقة، لكن متى وجدوها، سوف أهرب». في فيلم «الجبل»، الكثير من الأسود والرمادي والقليل من الأبيض. لكن قبيل الذروة، تصبح الصور ملوّنة. ينفلت الواقع من انحباسه المؤسلب، يعود مباشراً وملموساً خلال الثواني التي تسبق صوت الرصاص... هل تغلّب سلهب على آخر ما تبقى من بيروت فيه، فقتل جثته ورماها في «الجبل»؟.

(*) نقلاً عن صحيفة الأخبار اللبنانية