EN
  • تاريخ النشر: 01 أكتوبر, 2011

زهرة العلا.. زهرة في القلوب

كمال رمزي

الكاتب المصري كمال رمزي

الكاتب يشيد بالفنانة المصرية زهرة العلا التي دخلت مجال التمثيل أواخر الأربعينيات وكرمها مهرجان الإسكندرية السينمائي


في دورته التي يجرى الاستعداد لها، قرر مهرجان الإسكندرية السينمائي تكريم زهرة العلا، وهو قرار صائب تماما، يعبر عن نزاهة الاعتراف بدور فنانة مرهفة، تشغل مساحة مضيئة بألوان ناعمة، على خارطة السينما المصرية، وجسّدت، خلال عشرات الأفلام، مدرسة تكاد تكون مستقلة، في الأداء التمثيلي. يستحق، بجدارة، تلمس بعض معالمه.. زهرة العلا، تتلمذت على يد زكى طليمات، حين انخرطت في المعهد العالي لفن التمثيل العربى، في أواخر الأربعينيات، والعمل تحت قيادته، في «فرقة المسرح الحديث» ابتداء من العام 1951. توافقت طبيعتها الهادئة مع تعليمات طليمات بضرورة الابتعاد عن صخب الانفعالات الخارجية، والاقتصاد في الحركة، ومراعاة الأخذ والعطاء مع بقية الممثلين.
 
لم تدخل زهرة العلا عالم السينما مدعومة بصوت غنائى، على طريقة ليلى مراد أو صباح، ولا تجيد الرقص كتحية كاريوكا أو سامية جمال.. وهى ليست ذات جمال صارخ وجسد بارز المقاييس، ولكن اعتمدت في حضورها على تقاطيع وجه متسقة، رقيقة، دقيقة، متناغمة، أوضح ما فيها صفاء العينين، تكشفان عما يعتمل داخلها من مشاعر، وبابتسامة صغيرة، تنقل إحساسا بالإشراق، وبتقطيبة بين الحاجبين، تبين بجلاء عن مدى الكدر الذى تعانى منه. إنها، ذات جمال روحانى إن صح التعبير، وبالتالى، أصبح من المألوف أن تطلع بأدوار الابنة الحانية على والديها، والأخت المتعاطفة مع شقيقها والصديقة المحافظة على أسرار صديقتها، والزوجة القادرة على غفران أخطاء زوجها. وحين تقدمت بها السن، قدمت دور الأم، على نحو يعد امتدادا لنزعة النبل التى توفرت عندها، منذ البدايات. إنها، لم تمارس الشر، على الشاشة، ولو مرة واحدة وهذا لا يعنى التقليل من شأن شريراتنا الموهوبات، في أفلامنا.
 
موهبة زهرة العلا، وعملها، جعلاها لا تتقيد بأغلال النمطية، فغالبا، تجد لمسة، في طريقة الأداء، أو في تسريحة الشعر أو في الملابس، تميز هذا النموذج عن ذاك. وإذا كانت زهرة العلا عملت مع معظم مخرجى عصرها، فإنها وصلت إلى أعلى المستويات مع شاعر السينما، هنرى بركات، حيث توافق أسلوبهما مع بعضهما بعضا، فقدما بامتياز، وعلى نحو يستحق وقفة: «هنادى» في «دعاء الكروان» 1959، و«سامية» في «في بيتنا رجل» 1961، فضلا عن دور «درية» الأخاذ في «الوسادة الخالية» لصلاح أبوسيف 1957 المتوائم تماما مع قدراتها. هنا، زوجة تحب زوجها، عبدالحليم حافظ، بقلبه المعلق بحب آخر، لم يعد له وجود مادى، فمن كان يحبها ــ لبنى عبدالعزيز ــ تزوجت من رجل مهذب ومحترم ــ عمر الحريرى ــ ويصبح على زهرة العلا أن تخوض معركة قلوب كى تشفي زوجها من شبح الحبيبة الأولى، الذى يتراءى له وجهها على الوسادة.. زهرة العلا تعبر بوجهها عن لمسة حزن لا تفصح عنه، ممتزجا بدرجة ما من الشفقة على زوجها التائه في الوهم. وحين يذهبان لزيارة الحبيبة الأولى، تقع اسطوانة من يد عبدالحليم على الأرض وتنكسر. عندئذ، باقتصاد، وفي لحظات قصيرة، يلتمع في عينى زهرة العلا انفعالا مزدوجا، متباينا، تحس بالحرج لانكسار الاسطوانة، وفي ذات الوقت، تحس بالشفقة تجاه زوجها المضطرب، وتكاد تحتضنه، وتهدئ من روعه، بنظرتها.. ومع مشاهد النهاية، وبينما وجهها يتفصد عرقا، إثر العملية الجراحية التى اجريت لها، تمد أناملها وهى على فراش المرض، كى تتلمس كف زوجها، فلا تجد دبلة الحبيبة الأولى التى يحتفظ بها في اصبعه. تدرك أنها انتصرت، في معركة القلوب، فتبتسم ابتسامة وديعة، نابعة من الروح، برغم إعياء البدن.
 
في «دعاء الكروان»، الفيلم العلامة في السينما المصرية الكلاسيكية، عشرات التفاصيل الموفقة، جسدتها زهرة العلا بمهارة واقتدار، وفي إجابتها عن ثلاثة اسئلة جوهرية، وجّهها لها السينمائى الكبير، إبراهيم الموجى، نتبين عمق إدراكها لأغوار الشخصية التى تؤديها.. سألها عما كان يدور في خاطرها أثناء انتظار قدوم الخال لقتلها؟.. أجابت «يائسة.. محطمة بسبب الشقاء الذى سببته لأمى وأختى».. وسألها «ألم تحقدى على المهندس».. وبرحابة أفق، وفهم لمناطق قد تبدو غامضة، قالت: «كنت أحبه. ولم أوجه له اتهاما أو لوما. هو أيضا كان يحمل لى ذكرى طيبة ولم يعاملنى كساقطة، عاملنى كإنسانة.. ظهر هذا عندما حدثته آمنة عنى..»، وإذ يلاحظ الموجى، بخبرته، ذلك الحوار الصامت بين «هنادى» وأمها ــ أمينة رزق ــ حيث بدا له أن الأم تسألها «هل تعرفين مصيرك.. وأنت تجيبين: نعم أعرف.. الموت».. علقت زهرة العلا «أنا كنت ميتة فعلا.. في انتظار الدفن.. كنت قد ودعت الدنيا.. بعد أن حصلت على نصيبى من الفرح.. نصيب قليل ولكنه يكفي».. هكذا تفهمت فنانتنا، بعمق وشمول، أبعاد «هنادى» وعالمها القاسى، الذى لا يعرف الرحمة.
 
مع بركات، تؤدى زهرة العلا، بطريقتها الآسرة، شخصية «سامية»، في «في بيتنا رجل»، إحدى أفراد أسرة من الطبقة المتوسطة، شبه مخطوبة لابن عمها التافه، المشكوك في نزاهته «عبدالحميد» ــ رشدى أباظة ــ وهى، مثل معظم بنات تلك الأيام ــ وهذه الأيام أيضا ــ ترنو إلى الزواج من شاب ليس على شاكلة «عبدالحميد».. لذلك فإنها حين تتعرف على الجانب الآخر، الخفي، البطولى، عند ابن عمها، حيث يتحمل وطأة تعذيب قلم البوليس السياسى، ولا يشى بالفدائى، بل ويرفض المكافأة المالية المرصودة لمن يرشد عنه، يتجلى في عينيها كل معانى الطمأنينة، والراحة، والأمل.. زهرة العلا، هى زهرة في كل الأفئدة.
* نقلا عن الشروق القاهرية