EN
  • تاريخ النشر: 01 يونيو, 2012

روبير صفدي ذاكرة أغاني زمان

fan article

وفاة روبير صفدي صاحب متحف الموسيقى العربيّة والذى جمع ملخصاً عن السيرة الذاتية والفنيّة لأهل المغنى في الوطن العربي في ثلاثة كتب هي «أعلام الأغنية اللبنانيّة»، و«تاريخ الموسيقى العربية»، و«أسماء خالدة».

  • تاريخ النشر: 01 يونيو, 2012

روبير صفدي ذاكرة أغاني زمان

(باسم الحكيم) الموسيقى العربيّة خسرت أمس أحد أكثر الحريصين على تاريخها من الاندثار. فقدت روبير صفدي (صاحب «متحف الموسيقى العربيّة»)، أو «مجنون الموسيقى وعاشقها حتى الرمق الأخير» كما كان يصف نفسه. أدرك الرجل أخيراً أن الاكتفاء بجمع أسطوانات موسيقيّة وبمعلومات عن روّاد الأغنية العربيّة في مكتبته فقط لن يخلد اسمه، وستصبح أوراقه وأشرطته عرضة للتلف بعد سنوات. من هنا، قرّر أن ينشر ما جمعه من معلومات على امتداد نصف قرن، في ثلاثة كتب تحمل ملخصاً عن السيرة الذاتية والفنيّة لأهل المغنى في الوطن العربي، هي «أعلام الأغنية اللبنانيّة»، و«تاريخ الموسيقى العربية»، و«أسماء خالدة».

ورغم أنه تزوج وأنجب شابين وثلاث بنات غادروا لبنان مبكراً ليدرسوا في لندن، ظلّ في كفرشيما (جنوبي بيروت ـــ قضاء بعبدا) التي عاش فيها القسم الأكبر من حياته. وهي البلدة التي نشأ فيها فيلمون وهبي، وعصام رجّي، وملحم بركات، وتوفيق بركات وحليم الرومي. وهو ابن خالة ماجدة الرومي التي يحتفظ بصورة قديمة لها على أحد جدران مكتبته الضخمة، حيث جمع «ملايين الأغنيات والمقابلات التلفزيونيّة والإذاعيّة والسهرات الخاصة منذ عام 1900». في هذه البلدة، كان يعيش في شقّة مع زوجته التي رحلت أيضاً، ويخصص شقّة أخرى من البناية نفسها لمكتبته الموسيقيّة، يقابلها مستوصف كفرشيما. وفي الطبقة السفليّة، هناك ناد رياضي يحمل اسم «نبيل»، أحد أبنائه الذين يعيشون خارج لبنان.

هو رجل لا تنتهي قصصه عن الموسيقى والفن والسفر وشركات السيارات، ومصر ولبنان والكويت... يروي حكاية أول تسجيل اشتراه وكيف كرّس حياته لجمع التراث الغنائي العربي. ولا شك في أن نشأته في عائلة تهتم بالفن كانت وراء قراره بدخول هذا المجال. والده هو عازف الكمان والماندولين الفلسطيني يوسف صفدي. في هذا المنزل، أتيح له أن يلتقي كبار فناني مصر والوطن العربي، إضافة إلى تردد الصبي باستمرار على بيت خالته، وهو منزل الموسيقار حليم الرومي الذي كان مقصد الفنانين. هنا، كان روبير يسترق السمع ويخترق مجالسهم الطويلة ويؤمن طلباتهم. يستغرب طريقة غناء بعضهم، يضحك، فيعاقب بالطرد من الغرفة. غير أنه «سرعان ما أدرك قيمة من سخر منهم»، لأنهم أصبحوا أبطال حياته ونجوم مكتبته، على رأسهم «الملك» محمد عبد الوهاب الذي يحتفظ بكل أغنياته وسهراته، الشائع منها والنادر، وقد حصل على بعضها من زوجة موسيقار الأجيال نهلا القدسي. ولكثرة ما ضمت مكتبته من أغنيات قديمة لسلامة حجازي، وسيد درويش، ومحمد القصبجي، وأبو العلا محمد، ومحمد عثمان.... كان يقول ممازحاً «عندما تطلب الأغنيات العربيّة القيّمة من فانوس علاء الدين السحري، فسيستعين الأخير حتماً بمكتبتي»، وكان يروي أيضاً ذكرياته مع فيلمون وهبي الذي سجّل سهراته مع الفنانين، وضمها إلى تسجيلاته النادرة. بدأ بجمع التسجيلات في الخمسينات، إنما بشكل قليل، ثم سافر إلى الكويت حيث اشترى آلة تسجيل ومجموعة أشرطة كاسيت من أول راتب تقاضاه، وكانت المجموعة الأولى لعبد الوهاب، وأدمن شراء الكاسيتات عام 1965. وما لبث بعد فترة أن اتخذ قراراً بتنظيمها في دفاتر أرشيفيّة، وبدأ «هوسه» في جمع وتنظيم المكتبة الذي لم ينته إلا برحيله.

دخل روبير صفدي دائرة الاهتمام الإعلامي في الكويت، حين طلب منه مدير الإذاعة الكويتية الإشراف على برنامج تقدّم فيه أغنيات عبد الوهاب. وضع الراحل مكتبته في تصرف أصحاب الاختصاص الموسيقي من دون مقابل، واستعانت الحكومة المصرية بمكتبته في إنشاء متحف عبد الوهاب. خلال حياته، حاول مساعدة الأصوات الجميلة التي لا تلقى الرعاية والدعم، فكان بعض هؤلاء نجوم الغناء في برنامجه «رجعت أغاني زمان»، عن تاريخ الأغنية العربيّة على قناة «الجديد». كما كتب كلمات مجموعة أغنيات باسم مستعار، تحتفظ بها المكتبة الموسيقيّة في الإذاعة اللبنانيّة.

كان متحفه الموسيقي مقصداً لعشاق الطرب من أهل السياسة في لبنان والعالم العربي، ومن بين هؤلاء: عمرو موسى، فؤاد السنيورة، سليم الحص، حسين الحسيني... كما كان يرفد الإذاعات المحليّة وبعض الإذاعات العربيّة بمقابلات خاصة عن كبار الفنانين، ولعل أبرزها برنامج «الغنية مزاج» الذي كان ضيفه الدائم، إضافة إلى حلقات متفرقة على قناة «فن» التابعة لشبكة «أوربت».

خوفاً على أشرطته من التلف، كان في نيّة صفدي مكننة أرشيفه الغنائي، غير أنه كان يجد صعوبة كبيرة في الأمر، فهل يحقّق أحد أبنائه الحلم الصعب؟.

* نقلا عن صحيفة الأخبار اللبنانية