EN
  • تاريخ النشر: 07 يونيو, 2012

ثوَّار السينما المصرية

fan article

في الأفلام العظيمة تَكون الشخصيَّات أكبر مِن عالَمِ الفيلمِ ذاته، تَتحوّل مع الوقت، خصوصًا مع تكرار المُشاهدة، إلى لَحمٍ ودَم، يُمكن أن تتخيَّل ردود أفعالها في المُواقِف المُختلفة، وأن تَراها في الشَّارِع أو الأتوبيس أو العَمَل، ولذلِك فإن البعضِ مِنهم كان حَتماً في الثورة.

  • تاريخ النشر: 07 يونيو, 2012

ثوَّار السينما المصرية

(محمد المصري ) في الأفلام العظيمة تَكون الشخصيَّات أكبر مِن عالَمِ الفيلمِ ذاته، تَتحوّل مع الوقت، خصوصًا مع تكرار المُشاهدة، إلى لَحمٍ ودَم، يُمكن أن تتخيَّل ردود أفعالها في المُواقِف المُختلفة، وأن تَراها في الشَّارِع أو الأتوبيس أو العَمَل، ولذلِك فإن البعضِ مِنهم كان حَتماً في الثورة.

 

1- محمد أبو سويلم «الأرض»: كُنّا رِجَّالة ووقفنا وَقفة رِجَّالة

مثلما كان الشَّيخ «حافظ سلامة» رَمزاً لثوَّار السويس والمُقاومة الشعبية، كان أبَا «محمد أبو سويلم» رَمزاً لثوَّار الفلاحين، يُعطِي للميدان شَرعيَّة مُختلفة مِمّن سالتِ دماؤهم يومًا فوقَ الأرض الطِينيَّة.

تاريخه الطّويل في النّضال ضِد الإنجليز، للحفاظِ على الوطن، وضِد الإقطاعيين، دفاعًا عن حقوق الفلاّحين، كان يَجب أن ينتهِ بثورة تَهدُف، قبل أي شيء، لـ«العيش والحريَّة».

كَهل عَجوز، تَجاوز المائة مِن عمره بقليل، لَكِنَّه ظَلّ في خَيمته داخل الميدان طوال الثمانية عَشر يومًا، وصارِت الخَيْمَة نفسها أشبه بالقِبْلَة التي يَتَّجِه الثّوار نَحوها، مَقامًا لوليّ يَبْتَهِل فيه النّاس للثورة.

لم يَعُد يَقوى على الهِتاف أو المَسِير، لكن ظَلّ واعياً لكُلّ ما يَحْدث حوله، ومُجَرَّد تواجده في الميدان كان يُعِين الشَّباب على أوقاتِ اليأس ليشتَدّ هِتافهم «مش هَنِمْشِي».

عَاشَ عُمره الطويل «على أمل تِتنفخ فينا الروح ونصحى من جديد»، وحينَ قامت ثورة، فَرِحَ «أبو سويلم»، لأن السنوات لم تَذْهب في الانتظارِ هَدراً.

وفي الأوقاتِ الكئيبة القاتِمة أكثر من غيرها يَبدو صَوت «أبو سويلم» واضحاً:

«نِزلنا سوا يوم 25 يناير، وقفنا قُصاد المُدرَّعات وقنابل الغاز، ليه؟! عشان كنا رجّالة ووقفنا وقفة رجّالة، وفـ28 يناير شُوفنا الموت بعنينا، دَفنّا مِننا ناس عَ الكوبري، لا خوفنا ولا وَنّينا، ليه؟ لإننا كنّا رجّالة ووقفنا وقفة رجَّالة، حَرَقنا الأقسام.. أسرنا جِمَال.. جرَّينا الخوَنة قدّام عنينا، عشان كنا رجَّالة ووقفنا وقفة رجَّالة، وجوا محمد محمود.. لما كانت حياتنا متعلَّقة بشعرة وبينا وبين الموت خطوة واحدة، مخوفناش.. هَجمنا بصدورنا.. حاربنا عَدوّنا، ليه؟! عشان كنا رجّالة ووقفنا وقفة رجّالة».

فتجتَمِع الوجوه من جَديد.

 

2- فارس «الحَرّيف»: زَمَن الثّورَة يا بَكْر

طوال الوقت كان كل ما يحاول فارس فعله هو أن يجعل حياة مَن حوله أفضل، بجنيهاتٍ قليلة لكابتن مورو أو أبيه، بكلماتٍ طيّبة لسالِم أو لنرجِس، بالرَبْتِ على كَتِف عبد الله أو مُحاولة إعادة دَلال إليه لتربية ابنهم.

فَارس يَلْعَن الفقر، ويكره القَهر، ويحتقر رِزق، لا يُفضَّل الأوقات الصباحية التي يقضيها عاملاً بمصنع الجِزَم، بقدر اللّيل الذي يَقوم فيه بأكثر ما يُحبُّه، لِعب الكرة بالقربِ من الكوبري، والشعور بما هو أكثر من الاستمتاع «الانتصار، الحريَّة».

ورغم أنه «لم يَكُن له يوماً في السياسة»، ولم يَعْلَم بما حدث يوم الخامس والعشرين من يناير لمدّة ثلاثة أيام، فإنه قادَ عقب صلاة الجّمعة، وبصدفةٍ بَحْتَة دون قصد، إحدى المُظاهرات يوم الثامن والعشرين.

سنوات عمره الخمسين لم تَكن تعينه على الجري، ورغم ذلك كان يَقف في الصفوف الأولى، والتُقِطَت له بعض الصور، في الفيديو الشهير فوق كوبري قصر النيل، وهو يرتدي ملابسه الزرقاء المُمَيَّزة، ويَشتبك مُباشرةً مع المُدَرَّعة التي هَرِبَت من أمامه هو والرفاق.

وحين دَخَلَ التحرير لم يَكُن يَفهم أن ذلك الذي حَدَثَ للتو قد صار «ثورة»، لكنه كان سعيداً، ويشعر بالانتصارِ والحريَّة.

 

3- حسن «سوّاق الأتوبيس»: يا ولاد الكلب

على مدارِ حياته كلها كان حَسن يُعاني، دون أن يَشعر أحياناً من قَهْرِ الآخرين، الطّباع التي تغيَّرت، واللهث وراء المادّة الذي يُجَرّف كل شيء في طريقه، حتى وَرْشَة والده التي عاشَ فيها حَياته، حتى حَياة والده ذاتها.

والقاعدة الفيزيائية الأبسط تَقول إن «كل ضغط يجب أن يولّد انفجارًا»، وكان انفجار حسن في النّشال الحَقِير، بصرخة سَمِعها كل المارة والأتوبيسات في شوارع القاهرة، هو نَتيجة كل الكَبت الذي عاناه وشَعر به.

ما فَاتَ حَسن- الغاضِب عن حق- أن النّشال ما هو إلا مكبوت مِثله، يُعاني قَهْراً مماثلاً، وأن تُجَّار الانفتاح- رجال الأعمال- أعضاء لَجنة السياسات في مرحلةٍ لاحقة، هم مَن يستحقون صَرخته.

في جُمعة «الغَضَب»، لم يَخرج حَسن ليعبر عن أي موقف سياسي، كان فقط يُريد أن يَصرخ، وهو ما تلاقى مع رغبة كَثيرين غَيره لم يريدوا سوا الصّراخ.

ورَّغمِ عودته لمنزله عقب الخِطَاب الثاني للرئيس المخلوع، فإن مَشهد الجِمال والأحصنة التي تُهاجم زُملاءه الصارخين جَعلته يَعود للميدان ثانياً، يَصرخ من جديد، يَصرخ ويصرخ ويصرخ، حتى هَدَأ.

 

4- يوسف النّجَّار «الكيت كات»: يركب حُصان خياله

الغريب أن الشيخ حسني نفسه لم يُشارك في الثورة، حيث وجد نفسه عالقاً يوم الثامن والعشرين من يناير وسط مُظاهرة ضخمة بدأت من إمبابة، دون أن يفهم ما يحدث أو يستطيع الخروج منها، ومع كثرة الناس والحركة اللاإرادية خَرج من المنطقةِ التي يَعرفها، خارج حدود الكيت كات وميت عُقبة، يَسير مع الثَّائرين، ويَحِلّ الليل، يَسمع أصوات الدبَّابات والطّلقات، لا يستطيع التنفس ويشعر بأنه سيموت حين تسقط بجانبه قنبلة غاز، ليغشى عليه قبل أن يصل إلى الميدان، ولا يعود لمنزله قبل فَجر السّبت، مما أصابه برهبةٍ شَديدة من الثورة، وظلّ موقفه منها سلبياً حتى التنحّي.

أما يوسف فقد كان هُناكَ، يَنتصر على العَجْزِ لأولِ مرّة في حياته، يَتصالح مع أبيه، يُحب فاطِمة أكثر، يُمسك عوده ويُغنّي ألحان الشّيخ بين الثوَّار، ويكون حُلم السفر الذي ظل يراوده لسنوات بعيدًا جدًا عن هُنا، حين بدا أن الانتماء لا يَحتاج لأكثر من الشعور بالكرامة، ومُلْكُ الأرض قد يأتي مع القليلِ من الحريَّة، والثورة لا تَحْدُث إلا مع حُصان من خَيال

* نقلا عن صحيفة المصرى اليوم القاهرية